woensdag 21 juli 2010

بيت في جوبا

بيت في جوبا - فصل من رواية جديدة

كتبهاأحمد الملك ، في 21 يوليو 2010 الساعة: 14:47 م



فى اللحظة الأخيرة، قبل موتها، رأت أشول ولدها نور الدين، رأته فى الركن البعيد من حديقة البيت، جوار شجرة المانجو فى نفس المكان الذى جرح فيه قبل سنوات حين كان يطارد النسناس الأخضر الذى أهدته له جدته. كان مربوطا فى شجرة باباى وحوله جنود يتأهبون لإطلاق النار. رأت المكان من حولها غارقا فى مغيب أبدى ترقرقت أمواجه الذهبية على صفحة مياه نهر موسمى صغير، كان يعبر المدى الغارق فى عتمة غابة استوائية، يختلط غبار ظلالها الضوئية فى صخب زمان بعيد.

أشول عرفت دون حتى أن تميز وقع خطوات غريبة من حولها، بأن الصور التى كشفت مصير ابنها الغائب كانت إشارة لاقتراب الموت منها، وأنها ترى مشهدا لم تكن رؤيته متاحة للأحياء. لم تعرف فقط مصير ولدها، لكنها رأت تفاصيل الواقعة التى ستظل حية فى ذاكرته مثل جسر من الضوء، يتسرب عبر الأزمنة لينبض فى ذاكرة العالم فى صورة نغم يتصاعد فى ساعات الضحى:

إنا لنصلى لأم الآلهة

من جمع سحرى هادئ

فى أرض كواك لياث جوك

الواقعة التى كانت سببا لقلقه وحزنه الدائم منذ أن أخذته جدته مع شقيقه قبل سنوات طويلة، لتريهما شبح اليك الجميلة الذائب فى وهج مغيب نهر أدار. أشول أخرجها صوت طلقات الرصاص فجأة من الصور التى تراجعت مثل بساط من الضوء والذكريات المنفية من ذاكرة الموت.


بعد مغيب الشمس وصل محمد عثمان عبد الدائم وأولاده على عجل، كانوا قد سمعوا أن بعض فصائل الجيش اخترقت حى الملكية وأطلقت النار عشوائيا على المدنيين، وأن أعدادا كبيرة من المواطنين سقطوا قتلى.

فى اللحظة الأولى بدا لهم السكون الخارق فى المكان نذير شؤم، وفجأة رأوا أشول دينق ماثيانق، كان جسدها مكوما بجانب سياج الحديقة فى العتمة المتكاثفة فى المكان وقد سقطت العصا التى كانت تتوكأ عليها بجانبها.

وبسبب فوضى أيام المأتم لم يتسن لأحد أن يكتشف أن نور الدين اختفى من البيت.

فى اليوم الثالث انتبه والده لغيابه، بحثوا عنه فى كل مكان فى جوبا وسألوا عنه كل أصدقائه، وكانوا كلما سألوا واحدا من أصدقائه أو معارفه انضم اليهم فى البحث حتى بدا وكأن مظاهرة كانت تنقب قلب المدينة. بحثوا عنه فى سوق الملكية، حيث النسوة الجالسات أرضا بصدورهن العارية يبعن الخضروات وأسماك البلطى والبياض وسط العفونة الناجمة عن هذا الرخاء الطبيعى، فى دوامة قيظ استوائى، حيث التنفس يصبح مستحيلا فى الهواء الراكد فى درجة الغليان، بحثوا عنه بين صفوف حائكى الملابس الجالسين إلى ماكينات الحياكة العتيقة التى تحتاج إلى قطرة زيت كل بضع دقائق لتستمر فى دورانها الذى يثير فى الجسم رعدة رملية تخترق العظام.

بحثوا عنه فى الساحات التى كان يؤدى فيها مع أصدقائه رقصة ملوال، واقتفوا آثاره بمساعدة دينق ساتى الشهير بالاسم دينق الكذاب لأنه فشل مائة مرة فى إنزال المطر رغم ادعائه بمقدرة ورثها عن جده لأمه الذى كان صانعا للمطر، أما والده فقد كان من أوائل التجار القادمين من الشمال الذين استقروا فى جوبا، وبعكس شهرة فشله كصانع وهمى للمطر إلا أنه اشتهر بمقدرة أسطورية على اقتفاء الأثر.

بحثوا عنه وحتى أقصى حدود مملكة ذبابة التسى تسى على ضفاف أنهار أزمنة منسية، وبين القوافل الهاربة من الموت إثر انتشار وباء إيبولا فى أواسط القارة، وفى القرى النائية التى قضى فيها جزءا من طفولته خلف مجاهل مستنقعات الملاريا حيث شاهد الأخوان عبد الدائم ونور الدين ذات يوم صانع المطر يؤخر غروب الشمس من أجلهما باستخدام روث الفيل، وحيث الببغاوات تؤدى المقاطع الأخيرة من أغنيات الزعيم الراحل قويك قندنق بونق، التى يتنبأ فيها بأن الحرب الأهلية سوف تندلع مرة أخرى. وعلى ضفاف بحر الجبل حيث كان يجلس هو وسميرة ابنة عمه بعد توقف المطر يرقبان آخر قطيع أبقار يعبر المدى بين غروب الشمس وقوس قزح.

سميرة عبد الرحمن أشرفت على إجراءات المأتم، ومنعت وفق طقوس قبيلة الدينكا شراب الحليب فى البيت حتى انقضت الأيام الخمسة الأولى. ثم بدأت إعداد البيت لفترة الحداد الطويلة، لا ينم مظهرها وهى تدير بحزم كل شئون البيت عن القلق الذى يأكل دواخلها مع وقع خطوات الكارثة الوشيكة التى تشعر بها تدب من حولها. فى صوت الريح الراحلة فى صمت أمسيات الخريف، فى غناء عصافير الحب فوق أشجار المانجو. تبدل فى كل لحظة أشواقها لتضلل الحنين، الذى ينصب شباكه الوردية الناعمة من حولها، فتبدأ فى التعرف إلى العالم عبر ذاكرة لا تخصها. تتصاعد من حولها روائح زمان لم تعرفه. يبدو لها حتى غناء العصافير فى الفناء منتميا لزمان آخر، لا تميّزه أية إشارات عن الزمن الذى يعبر من حولها فى تحولات الفصول. تدفن نفسها فى إدارة شئون البيت، تختبئ فى تفاصيل الحياة اليومية حتى لا يراها شبح الكارثة الذى يرتفع صوت خطواته كلما خفت انشغالها بالعالم من حولها. تذهب لوحدها لشراء مستلزمات البيت من الخواجة قريقورى. تجده جالسا تحت ظلال شجرة المانجو أمام متجره، وهو يمازح صبية جميلة من قبيلة الدينكا طالبا منها الزواج فتقول له: يا عجوز أنت لا تملك بقرة واحدة، فيقول لها وافقى وأنا أشترى اليوم مائة بقرة، فتقول له وهل ستشترى… أيضا؟

يضحك الخواجة قريقورى بفمه الخالى من الأسنان وهو يدخل إلى متجره ويزن الملح على ميزانه العتيق، ويشير إلى الخرز وثياب الزراق داخل محله ويقول للصبية كل الأشياء جاهزة. يضحك بفمه الخالى من الأسنان وتطفر الدموع من عينيه قبل أن تخفت ضحكاته وتذوب فى دوامة نوار الليمون. تشير سميرة للخواجة على طلباتها. وفجأة ترى نفسها جالسة مع نور الدين بالقرب من بحر الجبل وقد اكتسى الهواء من حولهما بحمرة الشفق. نظرت حولها بارتباك لترى كيف نفذت الصورة من جدار نسيانها، فرأت دينق ساتى يعبر وهو يعزف على آلة الكوندى ألحانه الملائكية التى كانت تستمع إليها فى موسم الأمطار المنصرم..

تحمل أشياءها وتعود إلى البيت، تحاول أن تصم أذنيها عن صوت الألحان البعيدة التى كانت تتدفق من حولها، شاعرة بأن سياج رائحة النوار الذى يحيط بها، كان يزيد من مقدرة تلك الألحان على اختراق جدار نسيانها. لا تلاحظ أنها كانت فى أوج رحلتها المعاكسة نحو النسيان، كانت فى الواقع تحاول اقتفاء نبض خطوات الفتى الذى اختفى منذ اللحظة التى شاهد فيها أمه مقتولة، وأنها كانت تحاول طوال الوقت أن تميز صوت خطواته من بين نفايات صخب الخريف الآفل، وومضات حنين مؤامرة العالم من حولها لقهر النسيان، وصوت غنائه بمرافقة دينق الكذاب:

إنا لنصلى لأم الالهة

من جمع سحرى هادئ

فى أرض كواك لياث جوك.

حتى النهار الذى طرقت فيه باب البيت عجوز دينكاوية، كانت تحمل سوارا جلديا، كان نور الدين يلبسه فى يده قبل اختفائه، أوضحت العجوز بكلمات متعثرة أنّ نور الدين بخير ويرسل لهم تحياته، قالت العجوز أنها لا تعرف مكان نور الدين، ولكنهم فهموا من إشاراتها بأنه انضم إلى منظمة الأنيانيا.


سرح محمد عثمان عبد الدائم بنظره فى حديقة البيت الذى بناه بنفسه قبل أكثر من عشرين عاما، تفقد أشجار المانجو والليمون والسياج الذى يطل على الشارع الموحل السابح فى عتمة المغيب، وعبر السنوات جاءه صوت أشول تغنى وهى تعتنى بالخضروات التى تزرعها فى الحديقة، فعرف أنه فقد ابنه الثانى وإنه لن تمضى أيام طويلة قبل أن يحمل إليه مثل ما حمل شقيقه الأكبر، قال بهمس حزين : هذا البيت لم يعد لنا.

فهم أولاده وشقيقه عبد الرحمن أنه كان جادا هذه المرة وهو يعلن رغبته فى العودة ليموت فى مسقط رأسه، كانوا قد سمعوه يردد هذا الكلام عدة مرات فى الأيام الخوالى، منذ أن بدأ يشعر بحزن مسائى فى فصل الأمطار مع بدء تزايد سطوة شعور يومى بالوحدة منذ موت ابنه البكر عبد الدائم. آنذاك شعر بأنه بدأ يفقد السيطرة على دفة حياته اليومية التى باتت تتأرجح بين رغبات محمومة فى البكاء كلما اصطدمت أنغام شاردة بحواجز نسيانه، ورغبات فى الغناء على أطلال وقائع قديمة كان صعبا عليه تحديد زمانها، دون أن يعترف أن شعوره المتنامى بالحنين إلى أماكن كثيرة تعشعش تفاصيلها فى ذاكرته كان زائفا لأنه لم ير تلك الأماكن قط..

ستظل صورة عمها فى تلك اللحظة، وهو يجلس فى مواجهة سياج الحديقة فى مقعده الأثير محاطا بهالة من العتمة الزاحفة وضوضاء عصافير المغيب، وكلماته، محفورة فى ذاكرة سميرة، حتى بعد أن انتهك الزمن حرمة ذاكرتها وتركها فى آخر أيام العمر مستسلمة لمشيئة انتظار كان يبدو لها أحيانا مثل واجهة يتحرك الموت من خلفها، مموها خطواته فى التفاصيل، فى نبض الأشياء من حولها، فى رماد الذاكرة التى كان ضوؤها يخبو تدريجيا ويختفى فى ضجيج العالم.

حتى اليوم الذى استيقظت فيه وقد نزفت ذاكرتها آخر قطرات تفاصيل مجد الانتظار، تعيد التعرف إلى الأشياء من حولها، بعينى طفل مسن متشوق لاكتشاف العالم: جدران الضوء الزائفة، نغمات الطنبور البعيدة بأشواقها التى تنتمى لأزمنة أخرى، وردات نبات اللبلاب الزرقاء، ووردات شجرة الجنهمية. تقطف الورود الحمراء وتعيد رسمها فى حجر الذاكرة، تصدر أوامرها للموتى الذين تعثر عليهم فى سراديب الذاكرة، يسيرون دون هدى مثل الأحياء، تفتش طابور الثكالى المنسيين، وصفوف أشجار التين الشوكى الشبيهة بصفوف من الجنود يمتشقون أسلحتهم، بحثا عن صورة فتاها الذى أفنت عمرها فى انتظاره، تحاول فى ومضات استعادة الذاكرة، أن تعيد رسم صورته فى ذاكرتها من نفايات الصور التى كانت تلتقطها من المارة الذين كانت تلتقى بهم وتطلب منهم أن يصفوا لها صورة العالم خارج حدود مملكة انتظارها.

تجلس لساعات مع نورا الأعرابية التى كانت تزور القرية فى أيام حصاد التمور، تجلس معها فى صالة البيت العابقة برائحة القهوة بالجنزبيل وغناء عصافير الضحى فوق أشجار الحناء، وعطر نوار الليمون الذى يذكرها بغروب ناء كانت أمواج خيوطه الذهبية تترقرق على صفحة نهر منسى، لتطلب منها أن تبحث عن صورته فى قطع الودع دون جدوى، فلم تظهر سوى صور أشخاص متعجلين يظهرون دون تقاطيع واضحة ودون أحزان مميزة، تبذل جهدا خارقا لتحافظ على خيوط الوقائع التى تخلفها حكايات نورا الإعرابية لتستخدمها فيما بعد كجسور متحركة تعبر بها إلى فضاء هشيم الذاكرة.

تتشبث بأعمدة الضوء المتصاعدة بين البراكين وغابات الظلال، حتى لا تعصف بها أعاصير النسيان. تبحث بين صفوف صور الوجوه الباهتة التى فقدت تفاصيلها بسبب عوامل التعرية، فلا تجد سوى صدى ضئيل لصورة فتاة جميلة تحولت إلى سائل عند أول لمسة من يد رجل.

vrijdag 19 december 2008

العشّاق لا يسرقون

قصة قصيرة



كان الجاويش عبد الجبّار أول القادمين، بدأت حركة حذرة تدب في العالم النائم على حافة الفوضى. تسللت خيوط ضوء الصباح في الميدان الضخم في قلب المدينة. وارتفعت معها أصوات محركات العربات الكبيرة التي بدات تصل الى المكان مختلطة بصياح الديكة والحمير، وغناء بعض السكارى الذين لم يستطيعوا النوم طويلا بسبب الجوع واشياء اخرى ففضلوا الحضور للتفرج على المسافرين. إنها الرحلة الشهرية الثانية للشاويش عبد الجبّار التي يحضر فيها للعاصمة لاستلام مرتبات رجال الشرطة في منطقته. قبل اشهر توفي الجاويش عوض الكريم مدير نقطة الشرطة العتيد في القرية، واصبح هو بالتالي الرئيس، الموت ليس سيئا دائما، فكر وهو يتسلم خطاب تعيينه في مكان الجاويش عوض الكريم رئيسا لنقطة الشرطة، لكنه كان يشعر ان مهمة جلب المرتبات ليس عملا يليق بفترة عمله الطويلة في الشرطة ، والتي إشتهر فيها كجندي منضبط وكمحارب سابق في الحرب العالمية الثانية. لكنه وجدها فرصة لزيارة شهرية للعاصمة على نفقة الحكومة كان يقوم فيها بزيارة شقيقة له تعيش هناك، وتعمل مع زوجها في عيادة طبية لطبيب عيون مشهور، كانت اخته كل مرة تأخذه للطبيب لاجراء كشف للنظر مجانا، وذات مرة قام الطبيب بتغيير النظارة الطبية له دون أن يدفع قرشا واحدا، بنظارة جديدة، أعطته مظهر ضابط برتبة كبيرة كما أكد له بعض من يعملون معه من جنود.

يحمل الجاويش عبد الجبّار مظروفا ضخما من الورق به مرتبات جنود الشرطة، في المرة الاولى كان محظوظا، لم يوجد لص بين المسافرين، كان معظمهم حجاجا قادمين من الاراضي المقدسة ولم تبد عليهم العجلة بعد لارتكاب ذنوب جديدة، خاصة وان تكلفة غسل الذنوب اصبحت عالية بسبب ارتفاع نفقات الذهاب الى الحج. وضع لفافة النقود آنذاك تحت رأسه ونام بعمق، تستغرق الرحلة ليلة واحدة. يقضيها الركاب في الصحراء وصبيحة اليوم التالي تصل الشاحنة الى وجهتها. بدأ الركاب في الوصول، عرف بحاسته السادسة التي تكونت بفضل تعامله طوال سنوات مع اللصوص، ان ثمة لص بين الركاب!
يا للكارثة، لا يمكن إخفاء شئ في هذا العالم، لابد ان خبر حمله للمرتبات قد انتشر واثار شهية بعضهم لجني ارباح سريعة من مال الحكومة، والذي يعتقد البعض ان سرقته لا تدخل في باب الحرام لأنه مال عام يخض الشعب كله وكل فرد من الشعب لديه حصة في المال العام، ولحسن الحظ لم يكن هناك قانون يستثني اللصوص من عضوية الشعب.

عرف انه ربما لن يستطيع ممارسة هوايته الأثيرة: النوم في مكان متحرك،مثل الطفل، كان يشعر بالتعب بسرعة ويصعب عليه بسبب السن واشياء اخرى ان يظل طوال الليل مستيقظا. حاول تحديد اللص بين الركاب الذين جلسوا فوق البضاعة التي تم تحميلها فوق الشاحنة في اليوم السابق. كان هناك فتى يحمل طمبورا، عرف من حياد حاسته السادسة ان الفتى كان شخصا طيبا رغم الحزن في وجهه. ثم انه يبدو عاشقا، العشاق لا يسرقون حسب خبرته الطويلة مع اللصوص، عاشق واحد سرق مرة حذاء رئيس الشرطة اثناء اداء الصلاة في مسجد القرية، لكن تبين لاحقا انه لم يكن عاشقا حقيقيا بل مرابيا وصل القرية بسبب معلن هو الحب وسبب غير معلن هو رغبته في الزواج من إمرأة التقاها مرة في القطار وعرف انها سترث من والدها الميت بضعة أفدنة والالاف من اشجار النخيل والموالح.

العاشق لا يسرق قال عبد الجبّار في سره ثم تحول بنظره الى راكب اخر، رجل ملتح يحمل مسبحة في يده، ركز نظره عليه في البداية، ثمة مقولة شعبية تقول ان من يطلق العنان للحيته يطلق العنان ايضا لاشياء اخرى، قد تكون اللحية ستارا للطمع، ترك الرجل المسن، ثمة إمرأة جلست بعيدا عن الرجال، النساء لا يسرقن الا نادرا، قد يضربن رجالهن احيانا اذا شربوا كثيرا وخاصة اذا لم يتمكنوا من العودة للبيت آخر الليل وساعدهم شخص ما على الحضور، تلك فضيحة تعالج بالضرب . لا يوجد قانون يمنع إعادة تربية رجل متقدم في السن. مرة واحدة سرقت إمرأة فستانا لابنتها الصغيرة من السوق، لم يحرر لها الجاويش عبد الجبّار بلاغا حين أمسك بها البائع وفي حوزتها الفستان المسروق ، قام الجاويش عبد النبي بتسوية الامر مع البائع ودفع له ثمن الفستان، لأن المرأة كانت فقيرة جدا، لكنها استجابت لبكاء إبنتها الصغيرة التي تريد ارتداء فستان جديد يوم عيد الفطر، قال في سره: لو كنت مكانها لفعلت الشئ نفسه. ليس للفقراء من شئ سوى الانتظار، إنتظار الفرج. هو نفسه كان فقيرا، المرتب الذي يحصل عليه يكفي بالكاد جزءا قليلا من منصرفات بيته القليلة ورغم ذلك يضطر في الشتاء لزراعة حقل صغير حتي لايضطر لشراء القمح.

حين يمر به بعض الناس وهو يعمل بهمة في حقله، يقول له البعض، ومن سيحرسنا من اللصوص حتى تفرغ من زراعتك؟

كان يحلو له مداعبة محدثه: لا توجد مشكلة، هناك لص واحد في القرية، وهو موجود الان بجانبي لحسن الحظ، ويضيف ضاحكا: وما دمت انت بجانبي فإنني أؤدي عملي ايضا كشرطي بجانب عملي كمزارع!.

مرة غضب أحدهم حين داعبه بأنه لص وهدده انه سيشكوه لرؤسائه لأنه يمارس عملا آخر يخل بانضباطه كشرطي، ضحك وقال لمحدثه: ومن قال لك انه يوجد انضباط، انني حين امارس عملا آخر أعمل مزارعا،أقوم بذلك بتأجيل سرقة مال الشرطة! بعض الجنود يسطون على السلطة في أوقات فراغهم، يصبحون رؤساء للبلاد ويصدرون أوامر جمهورية ينفذها الجميع، عسكريون ومدنيون!

قال محدثه: لكن لم نسمع برجل شرطة قام بإنقلاب!

تأكد عبد الجبّار من وجود لفافة النقود تحت إبطه وعاد لتفقد الركاب،رأى فتاتين جلستا بعيدا عن الركاب قريبا من المرأة المسنة، لابد انهما عائدتان الى القرية بعد زيارة أحد أقاربهما، يعرف احداهما، فتاة طيبة لا تسئ معاملة الكلاب الضالة، تقوم برعايتها وإطعامها، وتزيح الشوك والاحجار من الطريق، رغم فقر اسرتها وذهابها دائما لرعي الغنم خارج القرية لكنها كانت تجد دائما وقتا لرعاية الكلاب الضالة، وللسمر مع حماد الاعرج الذي يقضي سحابة نهاره تحت اشجار الجميز او يطارد الكلاب الضالة، ذات مرة ألقم كلبا حجرا، تحطمت بعض اسنان الكلب الذي ساعدته الفتاة الصغيرة واخرجت له الحجر من بين فكيه.

إنه ليس رجلا سيئا، رغم فقره ومطاردته للكلاب الضالة، لكنه يصبح عدوانيا أحيانا بسبب الملل وكراهيته لثمر الجميز، الغذاء الرئيسي له. ليس هنالك في القانون على كل حال ما يمنع ضرب الكلاب الضالة بالحجارة.

إذن انه هو، قال عبد الجبّار حين رأى شخصا له شارب ضخم يجلس على مبعدة ويحاول الا يبدو مباليا بمن حوله رغم انه كان يتفحص كل شئ، انه الصافي الذي لا يعرف له احد في القرية عملا، لكنه رغم ذلك كان يرتدي دائما ملابس جديدة ويعيش في رغد ويمتلك جهاز تسجيل يرتفع صوته ليلا بأغاني الطمبور حتى ان الصبية كانوا يتجمعون قريبا من بيته للاستماع الى الغناء . يسافر كثيرا، البعض يقولون أنه يذهب الى العاصمة ليقامر هناك وانه يحب المقامرة وحظه ممتاز حتى ان جميع من يلعبون معه كان الفقر يصيبهم بينما تتحسن احواله هو تدريجيا.

تحركت بوصلة حاسته السادسة تجاه الصافي، لكنه لم يهمل ايضا مراقبة راكب اخر لم يتعرف عليه، لابد انه احد الذين يحضرون الى القرية او احدى القرى المجاورة في موسم قطع التمور ليتسلم حصته من التمر ويعود للمدينة.

بدأت الرحلة، مضى الوقت بطيئا فيما العربة الضخمة تقطع التلال الرملية، درجة الحرارة عالية جدا لكن النسيم الناجم عن حركة العربة يجعل الجو معتدلا، تفقد الجاويش عبد الجبّار الركاب مرة اخرى سرا من موقعه خلف جوال ملئ بالاحذية المطاطية. اكتشف ان الصافي كان يراقبه، يا للكارثة! لابد ان يفكر في طريقة لسرقة النقود ليلا ،لو نجح الرجل في سرقة النقود سيفقد عبد الجبار دون شك وظيفته، وربما يضطر للعمل طوال حياته ليسدد المال للحكومة.
استغرقت المرأة العجوز في النوم وتبعتها الفتاتان بعد قليل. وبسبب التراب الخفيف فوق شعر الفتاتين ووجهيهما بدتا وكأنهما تقدمتا فجأة في السن بسبب جلوسهما جوار المراة المسنة!

توقفت العربة في مقهى صحراوي ليتناول الركاب طعامهم، كانت الشمس قد مالت للمغيب،
نزل جميع الركاب الذين شعروا بالارهاق الشديد للاكل والراحة وقضاء الحاجة، بقي الجاويش عبد الجبار قليلا بزعم بحثه عن شئ ما في حقيبته حتى نزل الركاب جميعا واتجهوا لداخل المقهي فيما انتشر بعضهم لقضاء حاجتهم في الخلاء.عرف الجاويش عبد الجبار انه بسبب ارهاقه الشديد لن يستطيع منع نفسه من النوم، وان النقود ستسرق دون شك ان نام هو للحظة واحدة. فكر في مكان يضع فيه النقود، فكر في وضعها في احد جوالات البضاعة التي يجلسون فوقها او إخفائها في أحد أجزاء السيارة، او في الصندوق الذي يضع فيه سائق الشاحنة ومساعديه مؤونتهم من الطعام.

بعد قليل نزل الجاويش عبد الجبار من الشاحنة بعد ان اخفى النقود في المكان الذي اعتقد انه سيكون الأكثر امانا، كان الظلام قد ارخى سدوله وبزغ من بين التلال هلال جميل ، حين استأنف البص رحلته. بمجرد بزوغ القمر بدأ الصبي يعزف على طنبوره، ويغني بصوت ملائكي، كأنه استجاب لأمر خفي من القمر بأن يستأنف الغناء. تسللت النغمات الى قلب الجاويش عبد الجبار مثل السحر فاستغرق فجأة في النوم.

مجرد ان مال الهلال الى النصف الاخر من العالم، وخفت ضوئه، ومع تعالي غطيط الركاب وتحول نغمات طمبور الفتى النائم الى صدى اشبه بالهمس، حتى تحرك الصافي للعمل، قام بتفتيش كل شئ وكل شبر في العربة بحذر وخبرة متناهية، شعر عبد الجبار بشخص يفتش حتى حذائه، لكنه لم يهتم به وواصل نومه.كان المساعدان يجلسان في المقدمة فوق صندوق المؤونة يتسامران ويخلدان لنوم متقطع يقطعه صراخ السائق مناديا لهما في بعض الأحيان، بحث الصافي حولهما دون ان يجعلهما يشعران بشئ. فتش متاع جميع الركاب بدقة وصبر، عثر على أحذية مطاط واحذية محلية مصنعة من جلود الابقار يحملها الركاب هدايا لاقاربهم، عثر على نقود قليلة لم يلمسها، وساعات اطفال بلاستيكية رخيصة الثمن وملابس داخلية متسخة. لكنه لم يعثر ابدا على النقود التي يبحث عنها.

في الصباح حين اشرقت الشمس على العربة المتربة، كان الصافي هو الوحيد المستغرق في النوم بسبب إرهاق سهر البحث عن النقود، توقفت الشاحنة بعد قليل في وجهتها النهائية، ايقظه الجاويش عبد الجبار ثم اشار لحقيبة اللص وسأله هل هذه حقيبتك؟.

قال الرجل المرهق من السهر: نعم،
امره عبد الجبار: افتحها.

فتح اللص حقيبته، مد الجاويش يده وسحب مظروف النقود من تحت ملابس اللص المكوية ومرتبة بعناية داخل الحقيبة ،واعلن::

لم أجد مكانا اكثر امانا لحفظ النقود من حقيبتك هذه
!

رحلة عبد الواحد الأخيرة

ذات صباح قائظ في القرن الماضي كنت اخلد للنوم تحت اشجار النيم حين ايقظني شخص ما، نظرت فوجدت رجلا نحيلا يشبه منظره فزّاعة الطيور، انتبهت الي انه كان جارنا عبد الواحد رغم انه بدا لي لحظة خروجي من الحلم مثل قادم من العالم الاخر بهيكله العظمي النافر وسمات الحزن في نظراته.

اصدر لي امرا: (امشي جيب لي شريط نسمعو.) !

انتبهت الي استخدامه للفظة الجمع وعرفت لاحقا انه كان يخجل من ان يقول انه يريد الاستماع للغناء هو وعروسه فلم تكن قد مضت سوي بضع أيام علي زواجه.!

أحضرت له شريطا للمطرب مجذوب اونسة، بدا لي اختيارا مناسبا لشخص يريد ان يفرح للمرة الاولي في حياته..

حين سلمته الشريط، نظر اليه بتشكك وقال : فيه شنو دة.

اوضحت له ان بالشريط اغنيات للمطرب مجذوب اونسة.

فاستفسر قائلا: وبغني بقول شنو؟؟

احترت في سؤاله وقلت مستعيرا عبارة سمعتها من شخص ما وهو يتحدث عن فتاة كانت تبحث عن زوج يريحها من عناء رعي البهائم بطريقة مبتكرة انذاك، كانت ترسل رسائل عشق الي عدد من الشباب مستخدمة نفس العبارات ونفس الاشواق حتي انها لم تكن تغير سوي الاسم في البداية، ويبدو انها كانت تنسخ الرسائل من كتاب للرسائل، كان ذلك الشخص قد رد علي سؤال حول فحوي ما يدور في رسائل تلك الفتاة بقوله : والله عن الحب وكدة . وبمناسبة الرسائل التي تنسخ للعشاق بالجملة من نفس الكتاب تذكرت قصة امام جامع في احدي القري القريبة من دنقلا كان ينسخ خطب الجمعة من كتاب مصري للخطب تساءل في خطبته قائلا : ما هذا الفساد الذي يحدث في شارع عماد الدين؟

قلت له والله بيتكلم عن الحب وكدة وحين وجدت انه وقف مترددا دون ان يبدو عليه انه فهم ما قلته شرحت له بأنه يقول في اغنياته مخاطبا حبيبا غائب : ويقول له انا احبك ويطلب منه العودة..

بدا عليه الضيق وقال: لسة في ناس شغالين بالحجج الميتة دي، القي بالشريط ارضا وقال: ما عندك طنبور..

حاولت ان اشرح له ان كل كلمات الاغاني: موسيقي ، دلوكة، طنبور، جن احمر، تدور كلها حول نفس المعني، بل ان بعض اغنيات الطنبور بها بكاء دون حبيب، مجرد ان فارق احدهم دياره الي بلد اخر يبعد بضعة كيلومترات تصبح مناسبة للبكاء ثم موضوعا لاغنية لاحقا..

فكر قليلا وقال : ما في غناء بتاع رجال؟؟ والحقيقة انني لم افهم ما يعنيه تماما بغناء بتاع رجال تذكرت قصة صديقنا المزارع الذي كان يمارس هواية غريبة : يشكو طليقاته في المحكمة الشرعية لمجرد التسلية او كما كان يقول : انا عارف نفسي بخسر القضية لكن داير اتلتلهم في المحاكم! وكان هناك قاض شرعي شهير يحكم عليه كل مرة بخسارة الدعوي ويلزمه بالمصروفات وذات مرة جاء غاضبا بعد ان خسر احدي قضاياه واعلن لي:

شيخ النهار دة – اسم القاضي- ما يشوف ليه محكمة بتاعة رجال، ايه اللي طلق دة وعرّس دة!

فكّرت وانا اتجه الي البيت : ما دامت هناك محاكم بتاعة رجال لابد انه يوجد ايضا غناء بتاع رجال!.

احضرت له شريطا اخر به اغنيات للفنان محمد الامين، اخذه ومضي..

في الطريق الي الجامع لاداء صلاة الجمعة وجدت الزين الكذّاب عائدا من الصلاة سألته عن موضوع الخطبة فقال : والله كانت عن الدين وكدة!

لدي عودتي عاد عبد الواحد مرة اخري فهمت منه ان العروس لم تفهم اغنيات محمد الامين ، وانهما لبثا زمنا طويلا في انتظار ان تنتهي اغنية زاد الشجون التي بدت لهما مثل قدر وطني مشئوم دون نهاية..

انتهي الي القول: النضم سمح بلحيل علّي ما فهمناه، دايرين لينا حاجة خفيفة تخلص بسرعة وواحد قبّل واحد بحّر!

كان الزمان موسم الدميرة وحين يرتفع مستوي الماء، يرتفع الجنون عند الناس كما يقول كبار السن، ويتوافق ذلك مع ظهور عبد الرحيم ود السكة الذي لم يكن هناك من يعرف له اصلا وكان يختفي في الشتاء بمجرد انحسار الدميرة وانحسار موسم جنونه كما يقول اهل القرية ليظهر مرة اخري مع اواخر الصيف، حتي ان شيخ النور كان يصيح باولاده : عبد الرحيم ظهر اجروا زبلوا السقوف، فيسارع الاولاد لتجهيز زبل البهائم لوضعه علي السقوف تحسبا لاحتمال سقوط المطر لدي حلول الدميرة...

ود السكة كان يرتدي بمجرد انتهاء بياته الشتوي وعودة اخر طائر مهاجر الي الشمال، كان يرتدي بذلة يبدو داخلها مثل رجل أمن، ذات مرة قرر قضاء الليل معنا، تناولنا العشاء من كسرة القمح الرهيفة المعروفة بالسناسن باللبن وشربنا دورا من الشاي ثم اشرت له علي العنقريب الذي سيقضي فيه الليل.. وذهبت لاخلد للنوم في فناء اخر لعلمي بأنه يستيقظ كثيرا اثناء الليل.

كان عبد الواحد لا زال يمد يده يطلب حسنة موسيقية، لفت نظري قوله انه يريد حاجة تخلص بسرعة، فتذكرت مقولة احد المطربين ان حمد الريح يسك الاغنية كأنه شخص يطارد فرخة لذبحها ، احضرت له شريطا لحمد الريح وشرحت له ان اغنيات الشريط ربما توافقه.

كنت مشغولا باحصاء النجوم في لوحة السماء، التي بدت مشبعة بغبار كوني ابيض، حين استغرقت في النوم كانت اللوحة لا تزال معلقة في ذاكرتي ثم انتبهت بعد قليل ان بعض النجوم كانت تتحرك في الذاكرة، قبل ان اعرف انني كنت مستيقظا، وجدت شخصا ضخما يسد منافذ النجوم واقفا فوقي، كان ود السكة، قلت له : مالك الجن قام عليك؟

نفي ذلك وقال انه يشعر بآلام في بطنه ويريد ان يشرب نعناعا دافئا.

عرفت انه كان جائعا ومددت له بقرص مسكن للالم وطلبت منه ان يعود لفراشه. لكنني سمعته يطنطن غاضبا وهو يرتدي ملابسه ويخرج. كان الوقت لا يزال في اواخر الليل، وعرفت انه سيذهب لايقاظ شخص ما لكنني استغرقت في النوم..

عاد عبد الواحد بعد قليل والقي بالشريط ارضا قائلا:

انعل ابو الحب بالحالة دي؟

سألته عن المشكلة فقال: زولك دة قوّم نفسنا. شوف لي حاجة تانية..

قلت له : انت لي متين حتقعد تغير في الشرايط، الدميرة جات..

فقال لي : انا تاني ما راجع للزراعة..

قال : ح أمشي العمرة في الشتاء..

في هذه المرة لم ارهق نفسي بالبحث عن شئ مناسب احضرت له شريطا اخر دون ان انظر الي محتواه..

قال جارنا ود النور: زولك امبارج صحاني نص الليل وقال لي صحي الجماعة يعملوا لي دواء اشربه ووديني للبصير يكوي لي بطني .. وكان هناك في القرية رجل مسن اسمه البصير اشتهر باستخدام الكي لعلاج بعض الامراض مثل امراض المصران العصبي. قال لي ايقظت النسوان فصنعوا له نعناعا وعرديبا كما طلب حلبة باللبن وحين تبقي جزء قليل في كوب الحلبة باللبن طلب قطعة خبز : لنحسن به الحلبة كما قال. ولبثت مستيقظا معه طوال الليل يحكي قصصه ويظهر انه كان يريد شيئا يأكله وشخصا يستمع له.، كان يحكي قصصا طويلة وحين استغرق في النوم كان يوقظني ويعيد حكاية ما فاتني في قصته.

في النهاية اشرقت الشمس فقلت له هيا بنا للبصير لكي يكوي بطنك. فقال لي لا لا الحمدلله انا بقيت كويس!

قلت لعبد الواحد : انت شكلك كدة يا زول ماك مسافر عمرة ولا غير عمرة.!

كانت الدميرة قد انصرمت وحل الشتاء واختفي ود السكة في بياته الشتوي ووصلت اسراب الطيور المهاجرة من الشمال، ولازال عبد الواحد مستمرا في شهر عسله الابدي ، يغير في الاشواق دون ان يعثر علي الفنّان المناسب..

الزول دة لو شفتو كلمو قول ليه يشوف ليه شغلة غير الغنا دة!

في الشتاء جاء والده وتشاجر معه: قوم يا ولد حصّل الموسم، اصلك ما نافع في الزراعة وكمان داير تبدأ الموسم علي كيفك؟؟

يا ابوي انا ماشي العمرة!

عمرة تمشيها بسجمك، القريشات الساعدوك بيها اهلك المغتربين للعرس اشتريت بيها كلها حجارة بطارية وقعدت. اتحرك يا ولد قوم معاي هسع انا ماشي الحواشة..

يا ابوي خلاص بجي بكرة.

مافي بكرة الليلة.

يا ابوي خلاص انت روّح انا بحصلك!

رجلي فوق رجلك!

ممكن امشي الجنينة دقائق اغير الشريط.

يا ولد امرق ما تضيق اخلاقي..

وخرج عبد الواحد من البيت، في قلبه غصة كلما رأي في الطريق امرأة كان الحزن يجتاح قلبه.. سيمضي في الطريق الي الحواشات مثل هيكل عظمي.

ذات مرة كنا نسمر في المسيد بعد انتهاء اجراءات صلاة العشاء التي يتم تاخيرها قليلا في العادة لحين انتهاء نشرة موتي الساعة الثامنة مساء والتي كان شيخ النور يعلق عليها قائلا:

الحي الما سمع اسمو الساعة تمانية!

وحين لا يرد اسم شخص يعرفونه للاحتفال بموته ببرنامج يقضي علي رتابة الحياة في الصيف، يصيح شيخ الطيب بعد نهاية النشرة بغضب : يا ولد اقفل الرادي دة ما فيهو حاجة! ومع اسم اخر ميت من الغرباء تقام الصلاة علي عجل ويتبعها بسرعة طعام العشاء ، خبز السناسن باللبن والطبق السرمدي : القراصة بالويكة.

ثم يخلد كبار السن الي النوم في بيوتهم ويبقي بعض الشباب وبعض العجائز المتصابين الذين يبقون علي أمل ظهور أحد أكياس القمشة التي تدفن نهارا في التراب وتعود اليها الحياة ليلا.

قال أحد الصبية انه شاهد عبد الواحد قبل ايام وهو يشارك في حصاد محصول القمح وهو جالس أرضا، ضحك عصام وهو يبصق السعوط من فمه في شريط طويل مصحوب بخط موسيقي وقال : عبد الواحد فضل ليه سنة.

ضحك شيخ النور وقال له : انت بقيت زي منوفل داير تقول لكل زول متين بيموت؟

ستمضي حياته علي نفس الوتيرة أحلام بالسفر تبدأ مع هبوب أنسام الصيف وتنتهي مع هبوب اول انسام ريح الشمال، يبصق السعوط ويغير الشرايط ويعلن : انعل ابوها دي بلد! يحلم برحلة سيعود منها غانما وكان يأسف أحيانا علي تأخرها ، يقول :

(لو سافرت الوكت داك هسع كان يكون عندي كم لوري في الخط!)

يصر علي الزوغان احيانا من الحواشة ليغير الشرائط ويغير اشواقه.. حين تنبأ عصام بموته كان ذلك اواخر الثمانينات من القرن الماضي.. كان عليه ان يكافح عشرة سنوات اخري ليمضي بعدها في الرحلة الاخيرة.. الرحلة التي ستفضي به الي نشرة الساعة الثامنة مساء.

إنقلاب في منتصف النهار

منذ عودته الي القرية قبل سنوات بعد ان احيل الي المعاش من وظيفته كسائق في احدي المؤسسات الحكومية التي عمل فيها بعد أن ترك الجيش الذي التحق به كمجند لعدة سنوات، وهو يمارس حياة روتينية تخلو من اية مفاجآت، يخرج صباحا ليبحث عن بعض الحشائش لبقرته، يعود الي البيت ليتناول الافطار ثم يذهب الي المسيد ليبقي فيه حتي اداء صلاة العشاء ثم يعود ليخلد الي النوم. يعيش وحيدا بعد وفاة زوجته واستقرار ابنه في الخرطوم، حيث تباعدت رسائله وان كان بعض المال الذي يقيم الاود بالكاد يصل منه كل بضع اشهر.

لا يكاد أحد يلحظ وجوده، يستمع الي المناقشات التي تدور داخل المسيد في الفترة ما بين صلاتي المغرب والعشاء دون ان يشارك في شئ ، يحتاج النقاش احيانا لأن يدلي شخص عاش في العاصمة برأي ما، ينسي الجميع انه عاش جزءا من حياته في الخرطوم، لا يتذكره الناس الا نادرا حين يرد اسم شخص ما لا يستطيع احدهم تقدير عمره، حيث يقع سنه في تلك المسافة الضبابية بين الخمسين والستين التي لا يستطيع احد تحديد ان كان صاحبها شابا ام مسنا. فيتعالي صوت أحدهم عندئذ:

والله هو بيكون من دور عبد الحليم كدة!

عندها ينتهي الموضوع بسرعة ، يعرف الجميع ان الشخص المعني لا يمكن تحديد عمره بالضبط ابدا.

أصبحت البقرة جزءا كبيرا من حياته، يبالغ في العناية بها، المراح داخل البيت، يعيد كل يوم تجديده وتدعيمه بأعواد من الخشب والقش حتي لا تضايقها اشعة الشمس الحارقة. يخلد الي النوم مساء في الفناء قريبا منها، صباحا يحلبها ويصنع بنفسه الشاي، يحب شراب الشاي باللبن صباحا بكمية كبيرة من السكّر، معظم النقود التي يرسلها ابنه يستهلكها في شراء السكّر، يمضي فترة ما بين صلاتي العصر والمغرب بجانب بقرته بعد ان يضع امامها كومة من الحشائش ، يحادثها أحيانا، يتذكر أصناف الاكل الشهية التي كانت زوجته تصنعها من حليب البقرة. ذات مرة جاءت ست البنات جارته تحمل له رسالة احضرها شخص ما من ابنه في الخرطوم ووجدته يحادث البقرة، فذهبت لتخبر جاراتها أن عبد الحليم فقد عقله، قالت : لقيتو يتحدّث مع البقرة!

يمضي في رحلة النسيان اليومية وسط الناس، حتي يتذكره أحدهم مستخدما اسمه لاضفاء الغموض علي عمر شخص ما، بعد نهاية مراسيم صلاة العشاء وتناول طعام العشاء يجلس بعيدا قليلا من الصبية الذين يسمرون في ضوء القمر ويدخنون ، يمد يده احيانا فيضع احدهم فيها سيجارة قمشة، يجتر دخانها حتي تنتهي السهرة فجأة حين يقول أحد الشباب الذي يتذكر فجأة أنه متزوج: (دقيقة ابول وأجي !)

فيعرف الجماعة أنه سيزوغ ولن يعود مرة أخري، ثم يتمطي أحدهم بعده ويقول: (السهر ضريرو !)

أي ان السهر يضر الصحة!

فيعرف البقية أنه تذكر زوجته، ثم ينسحب الصبية ويكتشف عبدالحليم أنه اصبح وحيدا، يهب واقفا ويتجه الي البيت، يجد البقرة تهش الذباب النائم فوقها بذيلها وهي تلوك بقية ما اكلته نهارا من حشائش وقصب، يخلد الي النوم، لتبدأ نفس الرحلة صباحا.

حتي الصباح الذي فتح عينه علي منظر البقرة المتكومة في الفناء، حسب انها كانت ترقد ارضا وذهب ليؤدي صلاته ثم احضر جردل الحلب ليكتشف ان البقرة كانت ترقد دون حراك.

لم يصدق في البداية وجري مرتبكا الي خارج البيت يبحث عن شخص يساعده، وجد الطاهر ود ابراهيم الذي جاء معه ليفحص البقرة ويعلن ان البقرة كانت ميتة، قال الطاهر : يظهر أن ثعبانا لدغها ليلا. وبالفعل نظر الطاهر الخبير في اقتفاء الاثر حواليه وحدد مكان ثعبان ( ابو الدفان) الذي يختبئ داخل التراب، ويترك اثناء سيره اثارا طفيفة فوق الارض ، أحضر الطاهر معولا وضرب به الارض فشطر الثعبان الي نصفين.

ذهب الطاهر لينادي علي بعض الشباب لمساعدته علي سحب البقرة للخارج ودفنها، بدا عبد الحليم ذاهلا

طوال ايام عن كل ما حوله، بقي لا يغادر البيت عدة ايام، لم يسأل عنه أحد، كان الزمان موسم الحصاد وانشغل الناس بجمع المحصول، وبغلاء المعيشة وعلاج الاولاد. بعد أيام، استيقظ في الصباح وبعد ان ادي الصلاة اخرج حقيبة حديدية يحتفظ داخلها ببعض ملابسه القديمة التي شهدت تحولاته الوظيفية واسفاره داخل الوطن، وجد ملابسه العسكرية بحالة جيدة جدا، كانت زوجته الراحلة قد حفظتها مع بقية ملابسه القديمة في تلك الحقيبة. أخرج الزي العسكري وارتداه بالكامل وخرج الي المسيد وهو يسير بخطوات عسكرية متئدة. كان هناك مأتم في ذلك اليوم في المسيد، توفيت مك الدار العجوز بعد ان قارب عمرها المائة. ظهر عبد الحليم فجأة بملابسه العسكرية حتي ان الشباب الجالسين في المكان ولوا الادبار معتقدين انها كبسة من قوات الجيش بحثا عن الشباب لارسالهم الي الحرب. لم يتعرف عليه الناس في البداية ، لكنه لم يهتم كثيرا بردود فعل الهاربين، حيا الناس بعصاه وافتتح خطبته بعبارة ايها المواطنون الثوار الاحرار الشرفاء.

انتبه الناس الي انه عبد الحليم، وقال شيخ الطيب هامسا: زولك سكت دهرا وباين عليه حينطق كفر.

وقال الزين الكذّاب: ما دام بقينا شرفاء معناها في انتخابات !

قرأ عبد الحليم بيانه الأول، كان مرتبا وواثقا حتي أن البعض استغربوا عدم سماعهم لموسيقي عسكرية مصاحبة. أعلن أن الجيش استولي علي السلطة بسبب الفوضي التي تجتاح بلادنا.

علّق عصام مرتبكا وهو يبصق السعوط: ما هو الجيش أصلا مستولي عليها!

وقال شيخ الطيب: أول مرة اشوف لي انقلاب نص النهار!

واصل البيان:

إن الغلاء الشديد الواقع علي كاهل المواطنين وتخلي الدولة عن التزاماتها تجاه الفقراء هو السبب الاساسي الذي دفع بالجيش للاستيلاء علي السلطة وأن الاختيار وقع عليه باعتباره أعلي الرتب العسكرية ليصبح رئيسا لمجلس قيادة الثورة ورئيسا للجمهورية ورئيسا للوزراء.

قال شيخ الطيب هامسا لشيخ النور: زولك دة بجدو يا اخوي.

ضحك شيخ النور وقال : يا زول تمام اصلها هي هاملة كل يوم واحد ناطي فيها بعكازو. اخير لينا زولنا، جنا بنعرفو!

انهي السيد الرئيس بيانه بأعلان انه سيتم اعلان الحكومة الجديدة خلال ايام قليلة.

قال شيخ النور لشيخ الطيب: باقي ليك انا انفع وزير شنو؟

ضحك شيخ الطيب وقال : انت زول عاشق للبهائم والبقر عشان كدة نعملك وزير للثروة الحيوانية!

ضحك شيخ النور وقال وانت عاشق الرادي نعملك وزير للاعلام والاتصالات! واول قرار حتاخدو حيكون زيادة عدد الميتين الي بيذيعهم الرادي كل يوم!عشان تحقق أمنيتك ان يكون في فراش (بضم الفاء) كل يوم في المسيد دة وانت تلقي الونسة وتلقط الاخبار!

ضحك الطيب وقال : دي وزارة تعبانة ما فيها لبع، الا كان ألبع لي مكرفون!.

فقال شيخ النور: داير تآكل الحرام علي آخر عمرك.

ضحك شيخ الطيب وقال : حرام ولا حلال انا لاقي!

لاحظ الزين : طيب ما تعمل زي عبد الستار ، ربي ليك دقينة، وأبواب الخير تنفتح عليك من كل الجهات!

قال عصام : يا اخوانا الزول دة بصحو؟ الزول دة باين عليه مخو لحق امات طه.

بعد ان أنهي بيانه جاء السيد الرئيس ليجلس ارضا علي البساط وهرع عصام يقدم له القهوة، قال لعصام، الرجاء ان تقدموا القهوة للحراس في الخارج.

شاع خبر الانقلاب المحلي في القري المجاورة وتدافع الناس لمشاهدة الرئيس الجديد.

سأل أحد الناس : اين الرئيس.

اشار شيخ النور الي بيت عبد الحليم الصغير المسقوف بالقصب و المجاور للمسيد وقال: عندو مشاورات في القصر الجمهوري.

وقال شيخ الطيب: الليلة إعلان الحكومة الجديدة.

وقف بعض الصبية أمام بيته يؤدون دور الحراس، تشاجروا مع امرأة مسنة كانت تحمل عريضة تريد تقديمها للرئيس حول ابنها الذي اختفي منذ سنوات بعد ان ألقي الجيش القبض عليه في أحد الاسواق. خرج الرئيس بعد قليل ، تسلم العريضة من المرأة وقرأها علي مهل، كانت مكتوبة بخط سئ فقد كتبها عبد العاطي الذي كان يكتب الرسائل لأهل القرية مقابل وجبة عشاء من (السك) وهي نوع من الخبز يصنع من الدقيق والتمر، للرسائل العادية، ومقابل نسبة من الاشواق للرسائل العاطفية حيث يشترط ان يقرأ ردود الرسائل التي يكتبها. كانت مقدمة العريضة طويلة جدا وصيغت بأسلوب عاطفي حزين حتي أن الرئيس إستغرق في البكاء قبل أن يكمل قراءة العريضة.

وضحك شيخ النور الجالس في المؤخرة وهو يقول هامسا لمن حوله: والله دة أحسن رئيس ، دة بيبكي، الرؤساء التانيين بس يبكونا نحن لكن يوم ما سمعنا واحد منهم بكي لحالنا!

جفف الرئيس دموعه واصدر قرارا جمهوريا بإعادة الولد الي أمه فورا وطلب ارسال نسخة من القرار الي الاذاعة . ثم وقف ليتلو بيان تشكيل الحكومة الجديدة.

النور حسن ابو العينين خليل نور الدين..

ضحك شيخ النور في المؤخرة وقال : والله اسمي الكامل دة انا ذاتي نسيتو يا ربي الزول دة بحّت جابو من وين؟

نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية.

زغردت النسوة في الخارج ووقف شيخ النور مبتهجا وقال : والله لو كان أداني الثروة الحيوانية كان بقبل بيها.، يا زول بعد دة أي زول ماشي العمرة يجي علي بجايي!

الطيب صلاح الدين علي نور الدين

وقال شيخ الطيب: أفو

وزير الزراعة والانتاج الحيواني.

ضحك شيخ الطيب وقال : الزراعة دي محل ما نمش مباريانا ما كان يشوف لينا حاجة تانية.

الزين المصباح علي نور الدين.

وقال الزين: هلا هلا

وزير دولة بوزارة الصحة والتأمينات الاجتماعية.

ارتبك الزين وقال : طمنونا يا جماعة وزير دولة دي شنو؟

ضحك شيخ النور وقال دي زي ما تقول كدة مساعد وزير ما تقدر تاخد قرار لو ما حدثتنا.

مبارك عبد الرحيم الحسن نورالدين:

زغردت احدي النسوة في الخارج:

وزير الداخلية.

وضحك مبارك وقال : اي زول داير رخصة سلاح سواقة عربية، باسبورت يجي علينا بجاي،

عصام الفضل محمد نور الدين.

وقف عصام ورفع يديه الاثنين:

رئيسا للحرس الجمهوري بمخصصات وزير ولائي!

ضحك عصام وقال شكلي كدة اتكلفت، بالله ما كان يديني البترول والثروة المعدنية!

الزين محمد عبد الرحمن.

وقال شيخ النور : دة الزين الكضّاب!

وزيرا للاعلام.

وقال شيخ النور : يا زول الناقصة تمت تب. الزول الكضّاب في المكان المناسب!.

تسلم الزين الكضّاب قرار تشكيل الوزارة الجديدة وذهب ليرسله الي الإذاعة. في انتظار ان يذاع التشكيل الجديد في الاذاعة يبقي صوت الراديو عاليا في المسيد، يعلق شيخ النور: بختك يا شيخ الطيب، الفراش دة شكلو ما حيترفع لو ما الوزارة الجديدة اتذاعت.

يبقي معظم الوقت داخل بيته في استقبال زواره وقراءة العرائض وحل المظالم، يرسل كل بضع دقائق من يسأل: هل اذيعت الوزارة الجديدة..

في اليوم السابع خرج والحزن باد علي وجهه: لم تذع أي من قراراته حتي تلك اللحظة، أصدر قرارا بإقالة وزير الاعلام وإحالة مدير الاذاعة الي التحقيق،وأصدر قرارا بمجانية العلاج واعادة الدعم الي أسعار السكّر والخبز.

عاد إلي بيته مساء، تذكر زوجته التي اضاعت بموتها فرصة أن تصبح السيدة الأولي والبقرة التي كانت ستصبح البقرة الأولي ، خلع ملابسه العسكرية ووضعها علي مقعد بجانبه، رأي زوجته تواصل الشجار مع حيواناتها الاليفة وهي تتقدم نحوه في موكب من الأنوار، هبت نسمة برائحة السمك الميت ونوار شجر النيم، وفي حراسة القمر، نام في فراشه الي الأبد.

الكلب بوبي

امس مساء عدت الي المزرعة بعد ليلة مبهجة وحافلة قضيتها مع أصدقاء قدامي، كانت ليلة رائعة رغم انها انتهت كالعادة بالعراك اثر الافراط في الشراب، قضيت وقتا طويلا في العودة ذلك أنني في البداية لم أهتد الي مكان المزرعة وحينما وصلت كنت أشعر بأنني علي ما يرام رغم أنه كان من السابق لاوانه (قبل انبلاج الصباح) أن أقرر ما إذا كنت أحتفظ بجميع أعضائي البشرية ام لا .

كان المصباح الذي تركته في البهو يضئ المكان إضاءة خافتة ومحزنة حينما خاطبني الكلب بوبي قائلا : ألا تزال تصر علي السهر خارجا كل يوم ؟

كان يضع ساقا فوق ساق وهو غارق في احد المقاعد، وأدركت من رنة اهتمامه المحزون أنه كان مخمورا فقصدت حجرتي حيث احتفظ بمخزون اضافي من الشراب وكان علي ان أتوقع ذلك : لقد وجدت إحدى الزجاجات مكسورة، حينما عدت مرة اخري الي البهو، كان الكلب لا يزال يجلس محزونا وكرر قوله مرة اخري: ألا تزال تصر علي السهر خارجا كل يوم ؟ وأتبع كلمة تزال بعواء خفيف أعطي انطباعا بان الحقيقة كانت تتسرب من شفتيه، كان حديثه محزنا، ففي الماضي كان يمكن توقع مثل هذا الهراء الجميل من النساء مثلا، لكن الزمان تغير والمرء يجب ان يتوقع أن يسمع أي شئ من أي كان .

في البداية لم أصب بالذهول فقد لاحظت منذ فترة ان الكلب كان يبدي اهتماما بالاشياء من حوله، كان يحدق باشمئزاز في قطع الاثاث، كما أن نظرات الاحتجاج لم تخمد أبدا في عينيه كلما نظر الي ملابسي .

- ألا تزال تصر علي السهر خارجا ؟

كان يتحدث بصوت واضح وحنان منطقي مذهل، ثم عدل وضع ساقه قبل ان يقول :

ألا تري هاهو اخر جلباب لك يعود ممزقا كما ان اذنك اليمني أصبحت أصغر قليلا من اليسري، ألا تلاحظ انك عائد من دون حذاء؟ أعاد لي حديثه شيئا من الاعتداد بالاخطاء فأصلحت وضع جلبابي وجلست خجلا علي أحد المقاعد ثم قلت مترددا مثل طفل يعترف للمرة الاولي : لم تقل لي قبلا انك تجيد التخاطب .

- وما الفائدة في ذلك؟ لقد كنت اراقبك في صمت، علي المرء ان يتوخي الحذر احيانا لكن هذا ليس مهما، قل لي اولا، ألا تزال تصر علي السهر خارجا كل يوم؟ قلت بحذر : وماذا علي ان افعل في المقابل؟

تبقي في البيت، تقرأ تنظف المكان،تغسل ملابسك، تعتني بشجيرات الورد، ثم أصدر عواء فظيعا ومحزنا قبل ان يقرر : تتزوج!

ألا تعتقد أنك تجاوزت قليلا حدود المزاح، لقد كان حديثه سيئا لكني شعرت بارتياح لفكرة أن الامر كله كان مزاحا ثقيلا حتي أنني تأهبت لخلع ملابسي متجاهلا شعورا خفيا أوحي لي بانطباع غريب بأنني اتواطأ مع الكلب في أمر شنيع وعندما سقط الجلباب أرضا سمعته يقول بإشمئزاز طيب :

هذه ليست طريقة للعيش الكريم .

إنني أكره هذه العبارة، لقد استفز مخزوني من الذكريات، ذلك الذي أحرص علي إيداعه النسيان، فحينما يكون المرء متزوجا يكون مضطرا الي سماع مثل هذا الكلام ربما لمجرد المزاح او قتل الوقت. قلت محاولا تجاهل دقة الموقف : ماذا تعني؟

ثمة وميض حكيم في عينيه من ارتياح محزون قبل أن يقول ألا تستطيع ان تفهم، مثل التلاميذ الاغبياء علي أن أكرر كل شئ، لقد بقيت أراقبك طوال شهر وعندما تيقنت أنك تنحدر سريعا اضطررت الي اقناع نفسي بمصارحتك، هل لك أن تخبرني لماذا تشرب ؟

إنني أشرب لأنسي !

- لتنسي ماذا؟ لأنسي ..، وعلي كل قلت مزهوا، فأنت نفسك الان مخمور كما أنك – وهذا أسوأ – لم تدفع قرشا لقد سرقت ما شربت، وارتحت لهذه الفكرة الخطرة، إنك لص، لكنه قال دون ان يبدو عليه أنه شعر بالعار : أنا لا اجيد التعامل مع البشر، وعلي كل فأنا لا أشرب لأنسي، عندما كنت أعيش في الغابة كنت أشرب لمجرد الشعور بالمتعة، أما اليوم فقد شربت لأنني أعلم أن المرء لا يستطيع مخاطبة البشر وهو في حالة وعي تام .

قلت مستعيرا لهجة تهديدية مفيدة : أخشي ان اضطر يوما لطردك من البيت !

فقال دون أدني انفعال : لن يكون الشارع أسوأ من هنا ألم تسمع قصة ذلك القاضي الذي قام بعمل ضمان لمسجون واخرجه من السجن ليبقي في خدمته بالمنزل، فرح المسجون في البداية بهذه الحرية المشروطة ثم اكتشف أن الملل يخيم علي الحياة في بيت القاضي الذي يقضي سحابة يومه في الشراب والنوم واكتشف شيئا مدمرا اخرا : الجوع فلم يكن القاضي يكترث باحضار أي طعام الي البيت وكان يأكل اذا وجد شيئا أمامه والا فأنه لا يكترث لذلك كثيرا، تضور السجين جوعا ومللا وبعد أيام فاجأ القاضي بطلبه المذهل :

أنا أريد العودة للسجن يا مولانا !

- ألا تري أنك تنفق وقتك في الكلام بدلا من حراسة البيت من اللصوص ؟

لصوص .. قالها متهكما ثم انفجر ضاحكا حتي استلقي ارضا – هكذا – ثم أردف بعيون دامعة من فرط الضحك: ومن يستطيع أن يميز في هذا البيت بين اللص، وبين صاحب البيت وجامع القمامة ؟!

كان الموقف دقيقا للغاية، نعم فقد كان يسخر مني، والواقع أنني كنت واثقا أن موقفي كان ضعيفا، فقد كنت أدخل المناقشة دون حذاء وأذني اليمني أصغر قليلا من اليسري، لذلك آثرت أن أنسحب، وعندما استلقيت في فراشي محاولا تحييد شعور خارق بالهزيمة، كان بإمكاني الاستماع الي ضحكاته المجلجلة التي كانت لا تزال تنطلق من البهو

الليل عاد والشوق زاد، اذكر جدتي بملابسها البيضاء جالسة في غرفة جانبية يملأها ضوء الصباح المتسرب من النوافذ الكبيرة، وتعبق برائحة الحقول، رائحة خبز القراصة ورائحة القهوة الطازجة بالجنزبيل، عبر الزمن يبدو ايقاع الحياة مختلفا، خاملا، يبدو الزمن مرئيا، شفافا، مخلوطا بالضوء، ورائحة النوار، نوار النيم ونوار الليمون ونوار المانجو، صوت الكابلي الذي يتسرب مثل الحلم عبر الازمنة، يتردد في موجات ضوئية تغمر غرف البيت وفنائه الواسع المفروش بالرمل الاحمر ، تصطدم بالغرباء الذين يعبرون فناء البيت حاملين امتعتهم القليلة.
في الخارج في المضيفة التي تحيط بها اشجار النيم واشجار الاركويت، أري العم علي الفقير جالسا يفترش الارض بجوال الملابس التي يعرضها للبيع، سراويل من قماش الدبلان، وجلاليب من قماش التترون، يتوقف دائما هناك ويخلد للنوم بمجرد ان يطأ جسده الارض، يبقي في انتظار ان تمر سيارة عابرة، ايا كان اتجاهها فهو علي استعداد ليستقلها، لديه مشاوير مؤجلة شمالا وجنوبا، يستغل اصحاب السيارات غفوته وينطلقون .
اذكر ان الوالد لم يكن يحبه، لم تكن لديه معه مشكلة ما، كان يراه فضوليا يقتحم البيوت دون احم او دستور، مرة كان معنا عمال يحفرون بئرا ارتوازية وسبّب وجودهم هلعا تنظيميا في البيت، سعيدة عمر الرمالية تعوس الكسرة وزينب دكر تجلب الوقود، ووالدتي تعد الملاح، ونحن نساعد في كل شئ، في خضم الزحام جاء من يقول ان علي الفقير في الخارج، كان الوالد يبحث في تلك اللحظة عن فكة جنيه ليدفع عشرين قرشا لاعرابي احضر ثلاثة امتار من الخشب، حين سمع ان علي الفقير في الخارج اعلن علي الفور : ساذهب لاطرده !.
ذهبنا من خلفه لنتفرج علي المشاجرة، لكننا وجدنا الوالد يجلس معه فيما عم علي يحسب فكة الجنية : ستين ، خمسة وستين، سبعين، خمسة وسبعين، وقال الوالد حين رآنا : اجروا جيبوا الفطور .!
كانت تلك بداية صداقة بينهما لم تعمر طويلا بسبب وفاة العم علي المفاجئة ، بسبب عشقه الازلي للسيارات، وفي النهاية صدمته سيارة كومر قديمة خالية من الفرامل .
كنا نتحلق حول العم علي في انتظار ان تمر سيارة، يحاكي اصوات الحيوانات، ويحكي قصة الضفدعة الصغيرة التي تنادي امها بلهجة الضفادع: يمة شيليني !
فتقول الام ، شايلة ابوك ! فيقول الصغير الماكر : فوق راي !
جمال عبد الكريم المزارع الشاب الذي كان يطمح لتغيير حياته،يبيع الخضروات التي يزرعها للعابرين وللغجر، وفي النهاية افلست تجارته فقد احب احدي بنات الغجر، وبسبب ضعف قلبه تم استنزافه اقتصاديا ، فكان يبيع لهم الجرجير والملوخية دون مقابل او يحصل علي مقابل عاطفي لا يمكن احصائه مثل النقود .

في عطلة الصيف نتوزع لرعاية البهائم، كان لدينا بقرتين وعدد من الاغنام والضأن، تحتاج المزرعة لجهد كبير لسقي اشجار النخيل، منذ مطلع الثمانينات ظهرت موجة الجفاف التي ادت الي تراجع منسوب المياه الجوفية، فبدأت اشجار النخيل تجف، كانت تلك علامة سيئة، فمحصول التمر هو الشئ الوحيد الذي يحصل عليه الناس هنا دون تكلفة، بينما تكلفة الانتاج الزراعي عموما عالية جدا، فعلي المزارع ان يحرث الارض ويجهزها، وعليه تركيب طلمبة تسحب الماء من بئر عميقة يجب تنظيفها سنويا وعملية التنظيف مكلّفة يقوم بها مختصون، كذلك لابد من استخدام محرك ديزل لسحب الماء، قطع غيار المحركات غالية ويستهلك المحرك الكثير من الوقود، حين بدأت اشجار النخيل تجف، قام قليل من المزارعين بمحاولة سقيها او زراعة علف تحتها في موسم الصيف الحار، لكن الاكثرية تركوها تواجه مصيرها المحتوم، وفي السنوات الاخيرة كان محزنا ان تري مشهد الاف الاشجار وهي تجف وتموت واقفة او تسقط بسبب الرياح، الغريب ان ما حدث لاشجار النخيل، تكرر بنفس الطريقة المأساوية علي الناس في المنطقة عموما، اعتاد الناس هنا ان يعيشوا في هدوء يزرعون ما يكفيهم ويساعدهم انتاج النخيل، يربون الضأن والماعز للاستفادة من اللبن وللطوارئ لبيعها ان استدعت ظروف للسفر، لدي وفاة قريب عزيز بعيد عنهم او زواج قريب عزيز ايضا في الخرطوم او اي مدينة اخري، او كمصروفات للولاد الذين يقبلون في مدارس بعيدة، لم يكونوا يقلقون من مرض احدهم فالدولة كانت تدفع تكلفة العلاج وتعليم الاطفال. منذ مطلع التسعينات القرن المنصرم، تبدلت الاحوال وعاني الناس العوز الشديد للمرة الاولي، بعضهم سحب اطفاله من المدارس بعد ان اصبحت مجرد شركات وشاهد الناس للمرة الاولي العلم معروضا للبيع، واصبح العلاج مكلفا، ورفع الدعم عن الوقود وكل السلع ،قبع الكثيرون داخل بيوتهم، حتي لا يستجدوا الناس وماتوا واقفين مثلهم مثل اشجار النخيل .
الطاهر ود ابراهيم العاشق للموسيقي خاصة موسيقي الطمبور والمغنين الشوايقة، خاصة النعام ادم الذي كان يحتفظ له بود خاص وحتي لا يسرق احدهم شرائط الكاسيت التي تحوي اغنياته كان يقوم بدفنها ارضا، كنا نقول له ان التراب سيتلف الشرائط، لكنه كان يصر علي ان تلك الطريقة الوحيدة المضمونة لحفظها .
عوض فقير يتحلق حوله الناس في ايام وليالي الصيف يحكي مقالبه وحكاياته
ذات مرة كان الناس يسمرون في حلقات حول اشجار النيم حين
سمعوا فجأة صوت نهيق حمار الحاج عبدالله المميز وفي لحظات ولي الجميع الادبار واختفوا داخل نبات الذرة، كان الحاج عبد الله عليه رحمة الله رجلا من افاضل الناس، كان يتولي القيام بالاعمال الخيرية، بناء المدارس والمستشفيات والمراكز الصحية، ولأن عين الحكومات كانت دائما بصيرة في تقديم الخدمات ويدها قصيرة وان كانت دائما طويلة فيما يختص بملاحقة الناس وقطع ارزاقهم، كان الحاج عبدالله يعتمد في الخدمات التي يقدمها علي المساعدات القليلة التي يحصل عليها من الناس او من المغتربين خارج الوطن .
وقد حكي لي مرة انه ذهب في زيارة للسعودية للحصول علي دعم من المغتربين وكان انذاك يقوم بالعمل في انجاز مشروع مستشفي في منطقة السير القريبة من مدينة ارقو، كان المغتربين قد ملوا ان مشروع المستشفي استغرق زمنا طويلا ولم يتم افتتاحه بعد، لم يكن لديهم علم ان المستشفي كان قد تم افتتاحه قبل فترة قصيرة من زيارة الحاج لهم.

وفي الاجتماع الذي ضم الوفد مع المغتربين وقف احدهم وقال :
نريد ان نعرف متي يتم افتتاح هذا المستشفي؟
قال الحاج للسائل واسمه عبدالله:
اهنئك يا عبدالله لقد تم افتتاح المستشفي وجاء والدك وامك ورقدا فيه ستاشر يوما وخرجا !

سكت عبدالله علي الفور ولم يتكلم مرة اخري .
نهض اخر وقال : لماذا احضرت في وفدك صلاح هذا رغم ان الجميع يعرفون انك تختلف معه وان بينكما مشاكل .

قال الحاج عبدالله :
صلاح لم يدخل معنا موضوع المستشفي فلم يأكل شيئا من طرفه، فشال حالنا في كل مكان، جبناه معنا ليأكل شيئا ويمسك خشمه !

فمسك الجميع خشومهم وان لم يستطيعوا الامساك بجيوبهم، ودفعوا !

نعود لعوض فقير، حين سمع الناس صوت حمار الحاج لاذوا بالفرار خوفا من اجبارهم دفع التبرعات بسبب ضيق ذات اليد، وجد عوض عمه الحسن وكان ضريرا فاشار له ليجري علي اتجاه حدده له، كان هو نفس الاتجاه الذي سيأتي منه الحاج .
فيما كان الرجل الضرير يجري استوقفه شخص ما وساله لماذا يجري .
قال الرجل الضرير : الحاج عبدالله ما جننا كرّهنا العيشة .
قال السائل : انا حاج عبدالله !
فقال الرجل الضرير : الرجل الطيب !.

عوض فقير اشتهر بمقالبه وذات مرة وكان لا يزال صبيا ايقظه والده في الرابعة صباحا ليحلب البقرة وكان معهم ضيوف
استيقظ عوض منزعجا وقال :
يا ابوي الدنيا لسع بدري والبقرة ذاتها لسة نايمة !
تراجع الاب مصدقا ان البقرة قد تكون نائمة ولا داعي لازعاجها بهذا الامر غير الهام !
حكي لي الحاج عبدالله انه بعد ان قامت حكومة نميري بحل الادارة الاهلية وعينت بعض الاعيان كقضاة شعبيين انه تم تعيينه كرئيس للمحكمة الشعبية وفي اول قضية يفصل فيها، كانت الشاكية امرأة دهشت حين وجدته يجلس في مقعد رئيس المحكمة وكانت تعرفه ويبدو انها لم تكن تسمع جهاز الراديو فلم تسمع بحل الادارات الاهلية .
قالت له هل اصبحت القاضي ؟
فقال نعم .
قالت له : مكان الشيخ الزبير ؟!
فقال نعم
قالت له : سبحان الله !
وسكتت قليلا قبل ان تردف برطانة الدناقلة وهو يجلس مستمعا لها :
البحر لامن يبقي خسيس الحمار كمان بيخوضو !


حكي لي حاج عبدالله انه حضر احتفال استقبال اول والي يعين في الولاية وحضر الحفل احد رموز الانقاذ، طلب الحاج ان يشارك بكلمة وحين جاء دوره قال : زمان كان لامن دايرين يشتمونا يقولون لنا : الهي ما تلقي الوالي : الحمدلله هسع واشار للوالي : لقينا الوالي !
قال ان الرمز الانقاذي سأله من اين تعلمت هذه الفصاحة يا حاج؟
فقال له : انا في العمل العام اكثر من خمس وخمسين سنة وماجيت ناطي فيه بعكاز ذيك !

ذات مرة كنت في السوق سوق مدينة السير، كانت السنوات قد مرت وعملت معلما في مدرسته الثانوية، سمعت في السوق ان رجلا من القرية ينتمي لجماعة انصار السنة المحمدية معتقل عند جهاز الامن وانه يتعرض للتعذيب هناك، بعد عودتي من السوق ذهبت للمدرسة فوجدته يجلس امام بيته تحت ظلال شجرة المسكيت، قلت له بصفتك رئيسا للجنة الشعبية للقرية هل ذهبت تسأل عن اسباب اعتقال الرجل، فقال لي ببساطة اسأل عنو هو انا الرميتو !

قلت له كيف ؟
قال لي انه حدثت مشاجرة في المقابر، حين لام مواطن من حزب الحكومة مواطن من جماعة انصار السنة لانه لم يقدم له واجب العزاء في ابنه الشهيد وكانت هناك مشاكل واحتكاكات بين انصار السنة والكيزان، فرد عليه انصار السنة بجفاء : القال ليك هو شهيد منو ؟
تدخل الحاج لتهدئة الموقف باعتباره كبير البلد لكن انصار السنة المنفعل لم يعره اهتماما، او احتراما فكانت النتيجة انه وجد نفسه بعد يومين يواجه العذاب الدنيوي في جهاز الامن !
قلت له يا حاج انت مالك ومال مشاكل الجبهجية وانصار السنة ، خليك في حالك بعدين انت ذاتك ما عندك مشكلة مع اي زول لكن انا شايف ان استاذ عثمان (وهو احد الرموز الكيزانية في القرية) دافرك في الكلام دة، وختمت قولي : الكوز دة قاعد يلعب بيك!
اغضبه كلامي فقاطعني : صلي علي النبي يا خينا ، والله ابوه ما يلعب بي !
حاولت ان اتحادث معه لحل موضوع الشخص المعتقل لكنه لم يصغ لي ، فذهبت لاستاذ عثمان سكرتير اللجنة الشعبية : قلت له هل لديك علم ان الحاج ابلغ رجال الامن عن هذا الرجل المعتقل باسم اللجنة الشعبية، انكر علمه وقال لي انه سيستوضح منه الامر.
في اليوم التالي ابلغني انه سأل الحاج وقد انكر الحاج انه قال لي ذلك بل حلف بالطلاق !
بعد الظهر جئت للمدرسة، كنا نقوم بدورة تقوية صيفية للطلاب وجدته يجلس امام البيت في ظلال شجرة المسكيت حين رآني من علي البعد قال لي : اها جايي تتم البديتو !
قلت له وانا امضي في طريقي للمدرسة : والله انا ما عارف لكن واشرت الي بيته حأرسل لي اهل المرة دي يجوا يسوقوها !
تركته يضحك وفي اليوم التالي عرفت باطلاق سراح الشخص المعتقل .
جمال عبد الرازق معلم البناء الماهر والفنان، يملك موهبة فطرية في عمله، لم يقرأ فنونا او يتعلم شيئا سوي كما حكي لي دروس المدرسة التي لم يكن فيها سوي مدرس واحد كان يعطيهم دروس اللغة العربية برطانة الدناقلة!
وذات مرة في حصة التربية الاسلامية سألهم بصوت جهوري وبلغة عربية فصيحة : متي توفي النبي صلي عليه وسلّم؟
تمت ترجمة السؤال في البداية الي الاندادي ( رطانة الدناقلة) فنهض طالب كان يعاني بعض التخلف العقلي وصرخ :
لا حول ولا قوة الا بالله، النبي تي ديكو ؟
وترجمتها : لا اله الا الله هل توفي النبي (ص) ؟

ويبدو انه لم يسمع بذلك، كان عاشقا للزلابية وفي طريقه للمدرسة علي الحمار كان يشعر بالتعب احيانا من ثقل الاشياء التي يحملها: الطبق الضخم الذي يحمل فيه القراصة والزلابية اضافة لخرتاية الكتب، ولكي يتمكن من مواصلة المشوار كان يتعين عليه التخلص من بعض ما يحمل، كان يتخذ القرار دون تردد فيلقي بخرطاية الكتب ارضا ! والمؤكد انه لدي عودته كان يجدها في نفس المكان فليس هناك كائن يرغب في سرقة كراساته المليئة بعبارات اعد وقابلني والرجاء احضار ولي امرك! والواقع انه فعل ذلك مرة واحدة واحضر ولي امره، وكان خاله، حضر شخص ضخم الجثة يتطاير الشرر من عيونه ويتأبط عصا ضخمة من النوع الذي ينتهي بكعكة في اخره، حتي ان المدير اضطر للاعتذار له ! .
حكي لي جمال ان المدير كان يحضر احيانا خاصة في يوم الخميس سكرانا دون رغبة في الدخول للمدرسة، كان يجلس فوق حماره بجانب جدار المدرسة وينادي علي احد الطلاب : يا ولد دق الجرس.
وحين يصطف الطلاب في الطابور ، يدير هو الطابور من فوق حماره : صفا .. انتباه.. صفا .. انتباه. الي الفصل دور ، ثم يعلن وهو يضرب حمار مغادرا: اذا تأخرت في السوق دقوا الجرس وروحوا !
كان في الفصل صبيين ابناء عمومة عوض والسيد جدهما اسمه ابوشوك، عوض كان ضئيل الجسم فاسماه الاستاذ ابوشوك كنة اي ابوشوك الصغير وكلمة كنة بالرطانة ربما افضل كلمة لترجمتها هي قلّيّل بتشديد اللام والياء !، والسيد كان ضخما فاسماه المدرس لبوشوك دول! اي ابو شوك الكبير او المانع . وكان السيدان كنة ودول يجلسان دائما في الصف الاخير بجوار بعضهما، حيث يعمل السيد دول في اوقات فراغه كحارس شخصي لابن عمه السيد كنة والذي بسبب صغر حجمه يتعرض احيانا لمضايقة فتوات المدرسة من الطلاب الذين نسيهم اهلهم في المدارس او اصبحت المدرسة لهم مجرد برنامج يومي أبدي .
في حصة الحساب اثناء العذاب الازلي المسمي جدول الضرب اعلن الاستاذ : كم حاصل ضرب
6 في 7
ثم نادي علي الطالب الذي يجب ان يجاوب علي السؤال : ابوشوك دول، فقال ابوشوك دول بصوت ضخم : 16 !
فنادي الاستاذ : ابوشوك كنة !
فرد بصوت رفيع مثل صوت فأر : 17!
فقال الاستاذ : شد واركب !
جمال كان فنانا في عمله لكنه مثله مثل الفنانين كان يعاني من الملل ولا يكاد يبدأ عملا حتي يمله ويتركه وكانت النتيجة انه لم يكمل اية بيت بدأ بناءه، كان يبدأ العمل في وجود صاحب البيت الذي يكون عادة شخصا مغتربا حضر لقضاء اجازته، يبدأ العمل نشيطا مع عماله ، يكون هناك سجائر ومسجل جديد يصدح بجانبه اثناء العمل وهو يعشق الغناء لدرجة الجنون، وتكون هناك ذبائح واكل جيد، فيمضي العمل علي ما يرام، ثم تبدأ ميزانية المغترب في التراجع، فيستبدل البنسون الفاخر بجوال صغير من القمشة وبدلا من الذبائح تعود القراصة 6 بوصة لتتصدر المائدة، ويستبدل المسجل الذي استهلك كل حجارة البطارية الموجودة في دكان التعاون، يستبدله بطنبور قديم ويستخدم اذان مستمعيه لتجربة الحانه القديمة من ايام الشيطنة كما يسمي ايام شبابه، ويستبدل عرقي الامسيات بالشاي باللبن مشيرا الي الاول باعتباره : هو اصلا حرام ! عندها يطفش جمال عبد الرازق الي الابد !
ذات مرة جاء الي البيت لعمل بعض الاصلاحات الديمقراطية، كانت الوالدة وشقيقنا الاكبر قد سافرا الي الحج ولاجل استقبالهما تعين اجراء بعض الاصلاحات ولان اخي الاكبر كان يعرف نظام جمال فقد اوصانا قبل السفر ان نوفر له اساسيات الونسة ان رغبنا ان يكمل الشغل وشدد علي الا يتوقف جهاز التسجيل مطلقا، وجدنا بطارية سيارة قديمة، شحدنا صديقنا علي حواء الذي يعمل سائقا لاحد الجرارات الزراعية ليشحن لنا البطارية واوصلنا المسجل وجهزنا كومة من الشرائط، جاء جمال عبد الرازق وبقي معنا لمدة عام بعد ان اكمل العمل ! وكان الناس يسألوننا مستغربين الزول دة مسكتوا كيف ؟ وقال لي احد الجيران : الظاهر فقيركم قوي !
كان لديه هواية غريبة، يعشق استبدال الاشياء، يعرف احيانا انه سيكون خاسرا من الاستبدال رغم ذلك لا يستطيع مقاومة الاغراء، ذات مرة جاء الينا يحمل جهاز مسجل جديد، استبدله مع خالد اخي بجهاز راديو، ثم قايض جهاز الراديو بساعة سيكو مع احد جيراننا وفي نهاية اليوم كان المسجل الجديد قد انتهي به الامر الي ماعز جاء يسحبها من اذنيها وهي تزعق بصوت هستيري، ربطها في مدخل المزرعة وغادر علي ان يعود في اليوم التالي ليأخذها .
في اليوم التالي جاء ليقوم بحش بعض الحشائش ويطعمها ثم سقاها بعض الماء بجردل وتركها مغادرا ليتكرر في الايام التالية نفس برنامجه، حين عرف الناس بذلك البرنامج اصبح بعض من يريدون منه اكمال عمل بدأه لهم وزاغ يلبدون له جوار الماعز! ذات يوم تجمهر بعض من يريدونه وكنت انا ايضا اريده لاجراء بعض الاصلاحات، في الموعد المحدد وبدلا من حضوره حضر اعرابي متعجل نزل وسط دهشة الحضور ليفك الماعز ويرفعه علي حماره، واعلن وهو يغادر : جمال باعو لي
!

جن أحمر يشرب العرقي

عليكم الله لو ما عرستوا لي الشافعة دي !.

مخطوبة والله يا النور.

اشتهر في الحلة أن كراعه (خدرة)، ما أن يشاهد فتاة ما في احد الاعراس ترقص مثل عود من البان حتي يهجر النوم عدة ليال قبل ان يطلبها للزواج ليعرف اما انها : مخطوبة، او انها : تريد ان تقرأ، ويعني ذلك انها لا ترغب في الزواج منه وبعد ايام ينطلق صوت الزغاريد فيتساءل:

دة عرس منو؟

دة عرس فلانة.

فيقول وبراءة الاطفال في عينيه: ما قالوا دايرة تقرأ!

لا يعرف أحد كيف سيمول زواجه، لا يملك دخلا او عملا، يصرف مافي الجيب وما في الغيب (كما يقول خالد الكد) علي العرقي، مرة أعلن احدهم بفخر:

لقد اوقفت الشراب وكانت تبقت لي زجاجة عرقي من المخزون القديم دلقتها ارضا.

شعر النور بحزن فقد شخص عزيز، يا زول انت ماك نصيح؟ تكب النعمة؟

ما كان تديها لي اشربها وتلقي الأجر!

يتعامل مع والده كشقيق أصغر،

أبوي جيب سفة.

ويعطيه والده سفة.

خد يا ابوي لف لي سيجارة القمشة دي إنت خبرة في الشغل دة!

يضحك هو وهو يضع السيجارة المحترمة في زاوية فمه ويقول : اول مرّة اشوف والد يخرب ولدو!

ابوي اديني الف جنيه.

يعطيه والده خمسمائة.

البخل العليك شنو، داير تشيلها معاك لامن تموت.

ويقول والده: الباقي حتشيلو براك!

يضحك، يعرف ان والده يريد ان يقول له انت حرامي، كلما وجدت(فرقة) ستسطو علي اموالي السائلة والمنقولة، ذلك انه لن يتردد ان كانت هناك قعدة في ان يسطو علي زريبة الضأن، يعرف والده ان جزءا من ثروته الحيوانية تحول الي مواد تستخدم في البهجة، يستبدل العتود بزجاجة عرقي. الخروف بزجاجتين وطبق من الشية.

ذات مرة كان والده يؤم الناس امام المسيد في صلاة المغرب، حين مر النور من امامهم ذاهبا الي البيت، انتبه والده انه نسي المحفظة في البيت فترك الصلاة وانطلق خلف النور، لحسن الحظ استطاع ان يصل الي المحفظة قبل ان يجدها النور، وضعها في جيبه وعاد ليواصل الصلاة.

سمع الله لمن حمده.

بعد الصلاة سأله الجماعة، كيف تطلع من الصلاة وترجع تاني تتمها!

فقال بغضب: انتوا ما شفتوا النور!

كنت وين يا ولد؟

كنت في السما!

وجايي ليه ما كان تقعد هناك!

ابوي داير لي تلات الف.

ماشي تسكر بهم

لا ماشي اشتري جلابية، هدومي بقت زي هدوم الشحاتين.

في المساء يعود بنفس جلبابه الممزق وهو يزحف ارضا من فرط السكر.

يقول والده حين يعبر من تحت أنفه في الفناء برائحة العرقي التي( تصم الاذان): مشيت سكرت بيهم.

فيقول مبتهجا: يذهب الحرام من حيث أتي!

يضع والده المسبحة جانبا:

حرام يا ابن الكلب!

أبوي حقو تعرس ليك مرة صغيرة، شوف حياتك، نحن كبرنا خلاص!

ويتساءل والده ضاحكا: إنت كبرت حالتك !؟

تمضي ايامه ويتواصل اخضرار قدمه وجفاف جيوبه، تتعالي الزغاريد في قيظ القيلولة: ويقول هو : البت ما قالوا دايرة تقرأ!.

يضحك والده وينسي هو بسرعة، مجرد ان يحل المساء، ورغم انه لا يصلي يقول : بعد العشاء ما في اختشاء.

ذات يوم جاء سكرانا نهارا، قال والده: انت بقيت العشاء ذاتو ما قادر ترجاه! والله عشاك بقي ضهر!

وجدته ذات مساء يبكي في قعر جدار، ساعدته ليمشي، كنت أحمله تقريبا وهو يبكي تارة ويغني تارة اخري:

أنحن الحارة بندورها.. عارفانا ..

انت بتغني بتقول شنو؟

فقال : دة كلام كبير .. انت ما بتقدر عليه!

سحبت يدي التي تسند ظهره فسقط ارضا وواصل بكاءه، عرفت أنه ممكون وأن الصبر (غلبه) سألته عن اسم الفتاة التي سنسمع غدا زغاريد فرحها فقال:

سميرة!

سقطت انا ارضا هذه المرة من فرط المفاجأة، كنت انا ايضا أحبها سرا، أجلس في ساعات العصاري فوق كثبان الرمال لاحظي بابتسامتها العابرة للأزمنة، حين تمر في طريقها لرعي البهائم، أجد دائما عذرا ما لأعيد البهائم الي الحظيرة مبكرا وأسلم نفسي للصدفة التي تضعني في طريق ابتسامتها. التي تساوي أكثر من ألف ميعاد، كنت أدخرها لزمان اخر، شئ ما في براءة ابتسامتها وفي مغيب الشمس الساحر فوق كثبان الرمال وفي أشباح أشجار المسكيت المتناثرة في الافق الغارق في السراب، اوحي لي أننا يجب ان ننتظر دورة زمان اخري قبل ان نتطلع الي تغيير حياتنا، كنت أظن ان احدا لا يراها غيري، تقطن مع امها في بيت صغير بين كثبان الرمال شرق القرية ولا يراها احد الا نادرا ومن علي بعد لا يمكن معه تمييز أجمل ابتسامة في العالم، يحرسها صياح الديكة في صباحات الرمال. حين اسمع صوت صياح ديوكها اعرف انها ستعبر بوجهها الجميل فوق الكثبان في طريقها الي المرعي البعيد الذي تزدهر في أطرافه أجمة نبات الحلفاء.

تركته ارضا وذهبت لاوقظ والدي كان صحن العشاء لا يزال بجانبه والمسبحة في يده حين أخلد للنوم، استيقظ مذعورا وقال: اختك اتلدغت يا ولد، كان يحب فاطمة أكثر من اي شئ اخر في العالم، قلت له: اريد ان اتزوج.

نفض غبار النوم من وجهه بالمسبحة وقال: انت جنيت يا ولد ما تنتظر الصباح.

قلت بثقة: اذا انتظرنا للصباح سنسمع صوت الزغاريد قبل ان نصل الي بيتهم.

قال والدي ما الذي حدث؟

قلت النور أعلن قبل قليل انه يريد ان يتزوجها !.

خرج والدي معي وحين انطلقت الزغاريد ليلا كان النور لا يزال سكرانا لا يستطيع حراكا في حفرته.

في اليوم التالي قال لي: المرّة دي وفرت علينا نسمع حكاية البت دايرة تقرأ!.

قال لي : كان والدي مضربا بالامس عن تسامحه، أخفي بهائمه ومحفظته، حتي الحمار لم أعثر عليه، تذكرت أن ناظر المدرسة يرسل أحد الخفراء ليحضر له العرقي في وقت محدد، كمنت له في الظلام وحين اقترب الرجل بحماره وهو يحمل الكنز خرجت له فجأة في ضوء النجوم وأنا عار كما ولدتني أمي فقط أضع فوق رأسي خرقة حمراء، فرمي الكنز وترك الحمار وولي هاربا وهو يصرخ: الجن الأحمر!

قال لي : نتيجة سكرة أمس بقت من صالحك، عرسنا ليك، وأعلن سماحه بضحكة قائلا: يعني انت عرست بالحرام!.