zondag 25 augustus 2013


حين رأينا أشجار النخيل تموت!



الليل عاد والشوق زاد، اذكر جدتي بملابسها البيضاء جالسة في غرفة جانبية يملأها ضوء الصباح المتسرب من النوافذ الكبيرة، وتعبق برائحة الحقول، رائحة خبز القراصة ورائحة القهوة الطازجة بالجنزبيل، عبر الزمن يبدو ايقاع الحياة مختلفا، خاملا، يبدو الزمن مرئيا، شفافا، مخلوطا بالضوء، ورائحة النوار، نوار النيم ونوار الليمون ونوار المانجو، صوت الكابلي الذي يتسرب مثل الحلم عبر الازمنة، يتردد في موجات ضوئية تغمر غرف البيت وفنائه الواسع المفروش بالرمل الاحمر ، تصطدم بالغرباء الذين يعبرون فناء البيت حاملين امتعتهم القليلة.
في الخارج في المضيفة التي تحيط بها اشجار النيم واشجار الاركويت، أري العم علي الخبير جالسا يفترش الارض بجوال الملابس التي يعرضها للبيع، سراويل من قماش الدبلان، وجلاليب من قماش التترون، يتوقف دائما هناك ويخلد للنوم بمجرد ان يطأ جسده الارض، يبقي في انتظار ان تمر سيارة عابرة، ايا كان اتجاهها فهو علي استعداد ليستقلها، لديه مشاوير مؤجلة شمالا وجنوبا، يستغل اصحاب السيارات غفوته وينطلقون .
اذكر ان الوالد لم يكن يحبه، لم تكن لديه معه مشكلة ما، كان يراه فضوليا يقتحم البيوت دون احم او دستور، مرة كان معنا عمال يحفرون بئرا ارتوازية وسبّب وجودهم هلعا تنظيميا في البيت، سعيدة عمر الرمالية تعوس الكسرة وزينب دكر تجلب الوقود، ووالدتي تعد الملاح، ونحن نساعد في كل شئ، في خضم الزحام جاء من يقول ان علي الخبير في الخارج، كان الوالد يبحث في تلك اللحظة عن فكة جنيه ليدفع عشرين قرشا لاعرابي احضر ثلاثة امتار من الخشب، حين سمع ان علي الخبير في الخارج اعلن علي الفور : ساذهب لاطرده !.
ذهبنا من خلفه لنتفرج علي المشاجرة، لكننا وجدنا الوالد يجلس معه فيما عم علي يحسب فكة الجنية : ستين ، خمسة وستين، سبعين، خمسة وسبعين، وقال الوالد حين رآنا : اجروا جيبوا الفطور .!
كانت تلك بداية صداقة بينهما لم تعمر طويلا بسبب وفاة العم علي المفاجئة ، بسبب عشقه الازلي للسيارات، وفي النهاية صدمته سيارة كومر قديمة خالية من الفرامل .
كنا نتحلق حول العم علي في انتظار ان تمر سيارة، يحاكي اصوات الحيوانات، ويحكي قصة الضفدعة الصغيرة التي تنادي امها بلهجة الضفادع: يمة شيليني !
فتقول الام ، شايلة ابوك ! فيقول الصغير الماكر : فوق راي !
جمال المزارع الشاب الذي كان يطمح لتغيير حياته، يبيع الخضروات التي يزرعها للعابرين وللغجر، وفي النهاية افلست تجارته فقد احب احدي بنات الغجر، وبسبب ضعف قلبه تم استنزافه اقتصاديا ، فكان يبيع لهم الجرجير والملوخية دون مقابل او يحصل علي مقابل عاطفي لا يمكن احصائه مثل النقود .

في عطلة الصيف نتوزع لرعاية البهائم، كان لدينا بقرتين وعدد من الاغنام والضأن، تحتاج المزرعة لجهد كبير لسقي اشجار النخيل، منذ مطلع الثمانينات ظهرت موجة الجفاف التي ادت الي تراجع منسوب المياه الجوفية، فبدأت اشجار النخيل تجف، كانت تلك علامة سيئة، فمحصول التمر هو الشئ الوحيد الذي يحصل عليه الناس هنا دون تكلفة، بينما تكلفة الانتاج الزراعي عموما عالية جدا، فعلي المزارع ان يحرث الارض ويجهزها، وعليه تركيب طلمبة تسحب الماء من بئر عميقة يجب تنظيفها سنويا وعملية التنظيف مكلّفة يقوم بها مختصون، كذلك لابد من استخدام محرك ديزل لسحب الماء، قطع غيار المحركات غالية ويستهلك المحرك الكثير من الوقود، حين بدأت اشجار النخيل تجف، قام قليل من المزارعين بمحاولة سقيها او زراعة علف تحتها في موسم الصيف الحار، لكن الاكثرية تركوها تواجه مصيرها المحتوم، وفي السنوات الاخيرة كان محزنا ان نري مشهد الاف الاشجار وهي تجف وتموت واقفة او تسقط بسبب الرياح، الغريب ان ما حدث لاشجار النخيل، تكرر بنفس الطريقة المأساوية علي الناس في المنطقة عموما، اعتاد الناس هنا ان يعيشوا في هدوء يزرعون ما يكفيهم ويساعدهم انتاج النخيل، يربون الضأن والماعز للاستفادة من اللبن وللطوارئ لبيعها ان استدعت ظروف للسفر، لدي وفاة قريب عزيز بعيد عنهم او زواج قريب عزيز ايضا في الخرطوم او اي مدينة اخري، او كمصروفات للأولاد الذين يقبلون في مدارس بعيدة، لم يكونوا يقلقون من مرض احدهم فالدولة كانت تدفع تكلفة العلاج وتعليم الاطفال. منذ مطلع التسعينات القرن المنصرم، تبدلت الاحوال وعاني الناس العوز الشديد للمرة الاولي، بعضهم سحب اطفاله من المدارس بعد ان اصبحت مجرد شركات تعرض لضاعتها لمن يستطيع اليها سبيلا، واصبح العلاج مكلفا، ورفع الدعم عن الوقود وكل السلع ، قبع الكثيرون داخل بيوتهم، حتي لا يستجدوا الناس وماتوا واقفين مثلهم مثل اشجار النخيل، انه زمن الكذب والخداع والفساد، زمن الانقاذ الأغبر! .
الطاهر العاشق للموسيقي خاصة موسيقي الطمبور والمغنيين الشوايقة، خاصة النعام ادم الذي كان يحتفظ له بود خاص وحتي لا يسرق احدهم شرائط الكاسيت التي تحوي اغنياته كان يقوم بدفنها ارضا، كنا نقول له ان التراب سيتلف الشرائط، لكنه كان يصر علي ان تلك الطريقة الوحيدة المضمونة لحفظها .
عوض عثمان يتحلق حوله الناس في ايام وليالي الصيف يحكي مقالبه وحكاياته
ذات مرة كان الناس يسمرون في حلقات حول اشجار النيم حين سمعوا فجأة صوت نهيق حمار الحاج عبدالله المميز وفي لحظات ولي الجميع الادبار واختفوا داخل نبات الذرة، كان الحاج عبد الله عليه رحمة الله رجلا من افاضل الناس، كان يتولي القيام بالاعمال الخيرية، بناء المدارس والمستشفيات والمراكز الصحية، ولأن عين الحكومات كانت دائما بصيرة في تقديم الخدمات ويدها قصيرة وان كانت دائما طويلة فيما يختص بملاحقة الناس وقطع ارزاقهم، كان الحاج عبدالله يعتمد في الخدمات التي يقدمها علي المساعدات القليلة التي يحصل عليها من الناس او من المغتربين خارج الوطن .
وقد حكي لي مرة انه ذهب في زيارة للسعودية للحصول علي دعم من المغتربين وكان انذاك يقوم بالعمل في انجاز مشروع مستشفي ، كان المغتربين قد فاض بهم الكيل من مشروع المستشفي الذي استغرق زمنا طويلا ولم يتم افتتاحه بعد، لم يكن لديهم علم ان المستشفي كان قد تم افتتاحه قبل فترة قصيرة من زيارة الحاج لهم.

وفي الاجتماع الذي ضم الوفد مع المغتربين وقف احدهم وقال :
نريد ان نعرف متي يتم افتتاح هذا المستشفي؟
قال الحاج للسائل واسمه عبدالله:
اهنئك يا عبدالله لقد تم افتتاح المستشفي وجاء والدك وامك ورقدا فيه ستاشر يوما وخرجا !

سكت عبدالله علي الفور ولم يتكلم مرة اخري .
نهض اخر وقال : لماذا احضرت في وفدك صلاح هذا رغم ان الجميع يعرفون انك تختلف معه وان بينكما مشاكل .

قال الحاج عبدالله :
صلاح لم يدخل معنا موضوع المستشفي فلم يأكل شيئا من طرفه، فشال حالنا في كل مكان، جبناه معنا ليأكل شيئا ويمسك خشمه !

فمسك الجميع خشومهم وان لم يستطيعوا الامساك بجيوبهم، ودفعوا !

نعود لعوض عثمان ، حين سمع الناس صوت حمار الحاج لاذوا بالفرار خوفا من اجبارهم دفع التبرعات بسبب ضيق ذات اليد، وجد عوض عمه الحسن وكان ضريرا فاشار له ليجري علي اتجاه حدده له، كان هو نفس الاتجاه الذي سيأتي منه الحاج .
فيما كان الرجل الضرير يجري استوقفه شخص ما وساله لماذا يجري .
قال الرجل الضرير : الحاج عبدالله ما جننا كرّهنا العيشة .
قال السائل : انا حاج عبدالله !
فقال الرجل الضرير : الرجل الطيب !.

عوض عثمان اشتهر بمقالبه وذات مرة وكان لا يزال صبيا ايقظه والده في الرابعة صباحا ليحلب البقرة وكان معهم ضيوف
استيقظ عوض منزعجا وقال :
يا ابوي الدنيا لسع بدري والبقرة ذاتها لسة نايمة !
تراجع الاب مصدقا ان البقرة قد تكون نائمة ولا داعي لازعاجها بهذا الامر غير الهام !
حكي لي الحاج عبدالله انه بعد ان قامت حكومة نميري بحل الادارة الاهلية وعينت بعض الاعيان كقضاة شعبيين انه تم تعيينه كرئيس للمحكمة الشعبية وفي اول قضية يفصل فيها، كانت الشاكية امرأة دهشت حين وجدته يجلس في مقعد رئيس المحكمة وكانت تعرفه ويبدو انها لم تكن تسمع جهاز الراديو فلم تسمع بحل الادارات الاهلية .
قالت له هل اصبحت القاضي ؟
فقال نعم .
قالت له : مكان الشيخ الزبير ؟!
فقال نعم
قالت له : سبحان الله !
وسكتت قليلا قبل ان تردف برطانة الدناقلة وهو يجلس مستمعا لها :
البحر لامن يبقي خسيس الحمار كمان بيخوضو !


حكي لي حاج عبدالله انه حضر احتفال استقبال اول والي يعين في الولاية وحضر الحفل احد رموز الانقاذ، طلب الحاج ان يشارك بكلمة وحين جاء دوره قال : زمان كان لامن دايرين يشتمونا يقولون لنا : الهي ما تلقي الوالي : الحمدلله هسع واشار للوالي : لقينا الوالي !
قال ان الرمز الانقاذي سأله من اين تعلمت هذه الفصاحة يا حاج؟
فقال له : انا في العمل العام اكثر من خمس وخمسين سنة وماجيت ناطي فيه بعكاز ذيك !

ذات مرة كنت في السوق سوق مدينة السير، كانت السنوات قد مرت وعملت معلما في مدرسته الثانوية، سمعت في السوق ان رجلا من القرية ينتمي لجماعة انصار السنة المحمدية معتقل عند جهاز الامن وانه يتعرض للتعذيب هناك، بعد عودتي من السوق ذهبت للمدرسة فوجدته يجلس امام بيته تحت ظلال شجرة المسكيت، قلت له بصفتك رئيسا للجنة الشعبية للقرية هل ذهبت تسأل عن اسباب اعتقال الرجل، فقال لي ببساطة اسأل عنو هو انا الرميتو !

قلت له كيف ؟
قال لي انه حدثت مشاجرة في المقابر، حين لام مواطن من حزب الحكومة مواطن من جماعة انصار السنة لانه لم يقدم له واجب العزاء في ابنه الشهيد وكانت هناك مشاكل واحتكاكات بين انصار السنة والكيزان، فرد عليه انصار السنة بجفاء : القال ليك هو شهيد منو ؟
تدخل الحاج لتهدئة الموقف باعتباره كبير البلد لكن انصار السنة المنفعل لم يعره اهتماما، او احتراما فكانت النتيجة انه وجد نفسه بعد يومين يواجه العذاب الدنيوي في جهاز الامن !
قلت له يا حاج انت مالك ومال مشاكل الجبهجية وانصار السنة ، خليك في حالك بعدين انت ذاتك ما عندك مشكلة مع اي زول لكن انا شايف ان استاذ عثمان (وهو احد الرموز الكيزانية في القرية) دافرك في الكلام دة، وختمت قولي : الكوز دة قاعد يلعب بيك!
اغضبه كلامي فقاطعني : صلي علي النبي يا خينا ، والله ابوه ما يلعب بي !
حاولت ان اتحادث معه لحل موضوع الشخص المعتقل لكنه لم يصغ لي ، فذهبت لاستاذ عثمان سكرتير اللجنة الشعبية : قلت له هل لديك علم ان الحاج ابلغ رجال الامن عن هذا الرجل المعتقل باسم اللجنة الشعبية، انكر علمه وقال لي انه سيستوضح منه الامر.
في اليوم التالي ابلغني انه سأل الحاج وقد انكر الحاج انه قال لي ذلك بل حلف بالطلاق !
بعد الظهر جئت للمدرسة، كنا نقوم بدورة تقوية صيفية للطلاب وجدته يجلس امام البيت في ظلال شجرة المسكيت حين رآني من علي البعد قال لي : اها جايي تتم البديتو !
قلت له وانا امضي في طريقي للمدرسة : والله انا ما عارف لكن واشرت الي بيته حأرسل لي اهل المرة دي يجوا يسوقوها !
تركته يضحك وفي اليوم التالي عرفت باطلاق سراح الشخص المعتقل .
جمال رزق الله معلم البناء الماهر والفنان، يملك موهبة فطرية في عمله، لم يقرأ فنونا او يتعلم شيئا سوي كما حكي لي دروس المدرسة التي لم يكن فيها سوي مدرس واحد كان يعطيهم دروس اللغة العربية برطانة الدناقلة!
وذات مرة في حصة التربية الاسلامية سألهم بصوت جهوري وبلغة عربية فصيحة : متي توفي النبي صلي عليه وسلّم؟
تمت ترجمة السؤال في البداية الي الاندادي ( رطانة الدناقلة) فنهض طالب كان يعاني بعض التخلف العقلي وصرخ :
لا حول ولا قوة الا بالله، النبي تي ديكو ؟
وترجمتها : لا اله الا الله هل توفي النبي (ص) ؟

ويبدو انه لم يسمع بذلك، كان عاشقا للزلابية وفي طريقه للمدرسة علي الحمار كان يشعر بالتعب احيانا من ثقل الاشياء التي يحملها: الطبق الضخم الذي يحمل فيه القراصة والزلابية اضافة لخرتاية الكتب، ولكي يتمكن من مواصلة المشوار كان يتعين عليه التخلص من بعض ما يحمل، كان يتخذ القرار دون تردد فيلقي بخرطاية الكتب ارضا ! والمؤكد انه لدي عودته كان يجدها في نفس المكان فليس هناك كائن يرغب في سرقة كراساته المليئة بعبارات اعد وقابلني والرجاء احضار ولي امرك! والواقع انه فعل ذلك مرة واحدة واحضر ولي امره، وكان خاله، حضر شخص ضخم الجثة يتطاير الشرر من عيونه ويتأبط عصا ضخمة من النوع الذي ينتهي بكعكة في اخره، حتي ان المدير اضطر للاعتذار له ! .
حكي لي جمال ان المدير كان يحضر احيانا خاصة في يوم الخميس سكرانا دون رغبة في الدخول للمدرسة، كان يجلس فوق حماره بجانب جدار المدرسة وينادي علي احد الطلاب : يا ولد دق الجرس.
وحين يصطف الطلاب في الطابور ، يدير هو الطابور من فوق حماره : صفا .. انتباه.. صفا .. انتباه. الي الفصل دور ، ثم يعلن وهو يضرب حمار مغادرا: اذا تأخرت في السوق دقوا الجرس وروحوا !
كان في الفصل صبيين ابناء عمومة رمضان وحسين جدهما اسمه ابوشوك، رمضان كان ضئيل الجسم فاسماه الاستاذ: ابوشوك كنة اي ابوشوك الصغير وكلمة كنة بالرطانة ربما افضل كلمة لترجمتها هي قلّيّل بتشديد اللام والياء !، وحسين كان ضخما فاسماه المدرس أبوشوك دول! اي ابو شوك الكبير او المانع . وكان التلميذان كنة ودول يجلسان دائما في الصف الاخير بجوار بعضهما، حيث يعمل التلميذ دول في اوقات فراغه كحارس شخصي لابن عمه التلميذ كنة والذي بسبب صغر حجمه يتعرض احيانا لمضايقة فتوات المدرسة من الطلاب الذين نسيهم اهلهم في المدارس او اصبحت المدرسة لهم مجرد برنامج يومي أبدي .
في حصة الحساب اثناء العذاب الازلي المسمي جدول الضرب اعلن الاستاذ : كم حاصل ضرب
ستة في سبعة؟
ثم نادي علي الطالب الذي يجب ان يجاوب علي السؤال : ابوشوك دول، فقال ابوشوك دول بصوت ضخم : 16 !
فنادي الاستاذ : ابوشوك كنة !
فرد بصوت رفيع مثل صوت فأر : 17!
فقال الاستاذ : شد واركب !
جمال كان فنانا في عمله لكنه مثله مثل الفنانين كان يعاني من الملل ولا يكاد يبدأ عملا حتي يمله ويتركه وكانت النتيجة انه لم يكمل اية بيت بدأ بناءه، كان يبدأ العمل في وجود صاحب البيت الذي يكون عادة شخصا مغتربا حضر لقضاء اجازته، يبدأ العمل نشيطا مع عماله ، يكون هناك سجائر ومسجل جديد يصدح بجانبه اثناء العمل وهو يعشق الغناء لدرجة الجنون، وتكون هناك ذبائح واكل جيد، فيمضي العمل علي ما يرام، ثم تبدأ ميزانية المغترب في التراجع، فيستبدل البنسون الفاخر بجوال صغير من القمشة وبدلا من الذبائح تعود القراصة 6 بوصة لتتصدر المائدة، ويستبدل المسجل الذي استهلك كل حجارة البطارية الموجودة في دكان التعاون، يستبدله بطنبور قديم ويستخدم اذان مستمعيه لتجربة الحانه القديمة من ايام الشيطنة كما يسمي ايام شبابه، ويستبدل عرقي الامسيات بالشاي باللبن مشيرا الي الاول باعتباره : هو اصلا حرام ! عندها يطفش جمال الي الابد !
ذات مرة جاء الي البيت لعمل بعض الاصلاحات ، كانت الوالدة وشقيقنا الاكبر قد سافرا الي الحج ولاجل استقبالهما تعين اجراء بعض الاصلاحات ولان اخي الاكبر كان يعرف نظام جمال فقد اوصانا قبل السفر ان نوفر له اساسيات الونسة ان رغبنا ان يكمل الشغل وشدد علي الا يتوقف جهاز التسجيل مطلقا، وجدنا بطارية سيارة قديمة، شحدنا صديقنا علي الذي يعمل سائقا لاحد الجرارات الزراعية ليشحن لنا البطارية واوصلنا المسجل وجهزنا كومة من الشرائط، جاء جمال وبقي معنا لمدة عام بعد ان اكمل العمل ! وكان الناس يسألوننا مستغربين الزول دة مسكتوا كيف ؟ وقال لي احد الجيران : الظاهر فقيركم قوي !
كان لديه هواية غريبة، يعشق استبدال الاشياء، يعرف احيانا انه سيكون خاسرا من الاستبدال رغم ذلك لا يستطيع مقاومة الاغراء، ذات مرة جاء الينا يحمل جهاز مسجل جديد، استبدله مع خالد اخي بجهاز راديو، ثم قايض جهاز الراديو بساعة سيكو مع احد جيراننا وفي نهاية اليوم كان المسجل الجديد قد انتهي به الامر الي ماعز جاء يسحبها من اذنيها وهي تزعق بصوت هستيري، ربطها في مدخل المزرعة وغادر علي ان يعود في اليوم التالي ليأخذها .
في اليوم التالي جاء ليقوم بحش بعض الحشائش ويطعمها ثم سقاها بعض الماء بجردل وتركها مغادرا ليتكرر في الايام التالية نفس برنامجه، حين عرف الناس بذلك البرنامج اصبح بعض من يريدون منه اكمال عمل بدأه لهم وزاغ يلبدون له جوار الماعز! ذات يوم تجمهر بعض من يريدونه وكنت انا ايضا اريده لاجراء بعض الاصلاحات، في الموعد المحدد وبدلا من حضوره حضر اعرابي متعجل نزل وسط دهشة الحضور ليفك الماعز ويرفعه علي حماره، واعلن وهو يغادر : جمال باعو لي !

عم حمدان يغني للحياة وغابة المطر!


عم حمدان يغني للحياة وغابة المطر!



كان الضوء خافتا جدا حينما أزيح الستار الضخم، فبدا المسرح خاليا مثل قطعة من الليل ’حبست خلف الستار، حتى أن بعض الجالسين في المقدمة أصابتهم خيبة أمل بسبب عدم وجود شئ على المسرح. وشيئا فشيئا بدأت الصورة تتضح، كان أعضاء الفرقة الموسيقية غارقين في تأملات شخصية، تقطعها أحيانا نغمات إرتجالية مفاجئة، كانت تبدو مثل مجرد تذكير للعالم بأنهم موجودون ولم يغرقهم طوفان النسيان الذي يغرق العالم من حولهم. ودون أن تبدر منهم أية إشارة تفيد بأنهم يعملون كفريق واحد ولم تجمعهم مجرد صدفة كما تشير إلى ذلك أنغامهم التي يبحر كل منها في طريق مختلف تماما.
فجأة إندلعت من داخل حشد المتفرجين ضحكات صاخبة تناثرت بفوضى في صورة دوائر ضوئية عاصفة فوق المستنقع الضوئي الخافت، كانت ضحكات ناشزة بصورة أشاعت في المكان حالة من الذعر الخفي، فقد بدا واضحا ومنذ اللحظة الاولي إنها كانت تستمد معينها من مخزون لا ينضب من أحزان مكثفة.
في اللحظة التالية، بدا واضحا أن الضحكات كان لها تأثير وبائي شامل، فقد بدأت تسري فيما يشبه الهمس، مقتحمة عمق الليل، متدحرجة في الحفر والمستنقعات، مختلطة بنقيق ضفادع أول أيام الدميرة، ورطوبة الليل المشبعة بندي الحقول، بعد قليل ودون سابق إعلان، ظهر علي المسرح شخص بدا كأنه لم يكن متوقعا، فاستحال الضحك فحيحا قبل أن يخمد بصورة مفاجئة، إتخذ العازفون وضع الهجوم وحينما أشار قائد الفرقة بعصاه إنسابت موسيقي رقيقة لها الأريج الحذر للورود الجافة.
أوقف حمدان ود حاج النور حماره خارج المسرح وربطه بصورة آلية في أول شئ عثرت عليه يداه، لكنه إكتشف بعد قليل - بعد أن إنطرح أرضا – أنه ربطه في قدمه شخصيا، وفي النهاية تدحرج داخلا زعيما بلا منازع لطائفة السكاري المرحين، الذين أوقفوه مرارا أثناء مروره، لا ليرحبوا بمقدمه كما حسب في البداية، بل لدحض مزاعم بعضهم بأنه كان يسير على وجهه بدلا من قدميه، وللتأكد من أنه لم يكن يغني، بل كان يردد الخطبة القصيرة التي حفظها طوال أسابيع من أجل ترشيح نفسه لعضوية اللجنة الشعبية الجديدة.
بعد قليل بدأ صمت حذر يغزو المكان، تقدم الي المسرح المغني العجوز الذي بدا واضحا أنه كان ثملا تماما، تمكن بعد مجهود خارق من إعتلاء خشبة المسرح، بعد أن إنطلق فجأة من مقاعد المتفرجين حتي أن البعض حسبه في البداية مجرد متسلل بدون ذاكرة، وفي اللحظة التي تأكد فيها بأن المغني العجوز إستعاد أنفاسه رغم أنه بدا غارقا في نوبة تأمل أعطت انطباعا بأن اكتئابه كان ناجما عن ضعف وجداني اكثر مما توقع آخرون بأنه كان ناجما عن ضعف أخلاقي، وفجأة في اللحظة التي بدا فيها قد تجاوز آخر حواجز ضعفه، إنهار فوق أحد العازفين، مصدرا نغما قاسيا ومفاجئا ودون أن ينتظر مساعدة من العازف، إعتمد راحتيه محاولا الوقوف، وفي النهاية حرّك عازف الكمان التوازن الحذر في المكان بإلقائه حفنة مفاجئة من الانغام، جعلت المغني يجفل، ثم يستعيد توازنه، ويبدأ في الغناء، ورغم أن مدخله الأول لفضاء اللحن بدأ بمارشات عسكرية، أعطت إنطباعا حذرا بنبوءة إحتمال تغيير وشيك، حتي أن رئيس اللجنة الشعبية الجالس في المقدمة بدأ في نتف لحيته بحركات عصبية من يده، إلاّ أن اللحن بدأ بعد قليل يأخذ مسارا سلميا، حتي بدا واضحا في اللحظة التالية ان المغني العجوز كان يمتلك مقدرة فذة علي جعل اللحن ينقاد خلفه وهو يجتاز نطاق غابات غير مرئية، ويعبر أنهارا استوائية، ويطوي دون كلل أزمنة منسية تتخلل الزمن الحاضر من خلال ايحاءات ايقاع رقصة الكمبلا، ومقاطع من عزف منفرد علي آلة الوازا مصحوبا برائحة نوار أشجار النيم ورائحة صباحات مواسم الحصاد ، وأغنيات العمال الاحباش في حقول الذرة المطرية وغناء فتية الدينكا وهم يصحبون قطعان الأبقار في موسم التوج.
وفجأة في ذروة المشهد، في اللحظة التي توحدت فيها إنطباعات الوجوه الباهتة بسبب الخوف و الضوء الخافت، سحب المغني العجوز جسده وتواري عن المسرح، رغم أن معظم المشاهدين لاحظوا إستمرار الأغنية بعد لحظات من إختفائه، قبل أن تبدأ الألحان في التراجع مخلفة ذيولا ضوئية ملونة تدافعت للحظات قبل أن يبتلعها الفراغ، الذي زلزلته ضجة الضحك الذي اندلع بصورة أقوي.
لكن المغني عاد بعد قليل ولاحظ الجالسون في المقدمة بأنه كان يترنح بصورة أفضل، ورغم أنهم توقعوا نشوء فراغ في ذاكرته الا أنه واصل أداء الاغنية من المقطع نفسه الذي توقف فيه قبل مغادرته وبنفس مقياس أطوال الاشواق.
لاحظ حمدان ود حاج النور – الذي كان يقف في المؤخرة – مرتجفا بسبب إصابته بالحمي، أن الحشود اللحنية بدأت تأخذ مسارا مغايرا لإتجاه الأغنية التي كانت تنتشر من حوله في صورة دوامات متمزقة ومتداخلة، كان المغني قد غادر المسرح مرة أخري تاركا الأغنية تذوب في حبات الضوء الخافت قبل أن يبددها الهواء، وحين عاد بعد قليل وجد شخصا آخر يقف مكانه مستبيحا أنغامه الخريفية، لاحظ بحذر أن الأداء رغم زيفه كان رائعا للغاية، وأن المغني الجديد لم يبدأ مداخله اللحنية بمارشات عسكرية، بل بنسق عادي حتي أن مدخله الاول كان مقاطع من اغنيات الاطفال في ليالي الدميرة محددا نقطة الدخول الرئيسية بمقطع:
(شليل وينو .. اكلو الدودو .. شليل وين راح .. اكلو التمساح) تاركا المارشات العسكرية تنمو طوال الوقت في حواف ألحانه ، بدلا من جعلها مجرد مدخل تذكاري، في تلك اللحظة إرتفع صوت نغم ناشز نبه المغني العجوز الي خلل تسبب بغياب أحد أهم عازفيه فعرف دون أن يقترب ليري المغني الانقلابي إنه هو العازف الغائب، مكتشفا أن ألحانه الوثيقة الصلة بوقائع يومية، كانت مجرد خدعة لتثبيت أقدامه.
حاول المغني العجوز التقدم ولكنه فشل بسبب الحراسة اللحنية غير المرئية حول المسرح حتي إنه إضطر ليتراجع محاولا إيجاد مكان شاغر وسط المتفرجين، ثم إضطر للتقهقر والوقوف في المؤخرة.
فجأة بدأت قطرات المطر تسقط فوق الوجوه الشمعية، كان المغني الجديد قد فترت حماسته بسبب إرهاق تحمل صدمة أشواق مكثفة دون رصيد من الحزن فإنسحب عائدا لمكانه، تقدم عازف آخر قاد اللحن ببراعة مذهلة، ورغم بدء إنسحاب الجمهور بسبب تزايد ضراوة المطر إلا أن الكثيرين جازفوا بالبقاء بسبب حرارة الأداء، إلا أن صوت المغني الجديد بدأ يضعف بعد قليل، وتخللت أمواج صوته عواصف إستوائية وإنهيارات صخرية، فبذل جهدا يائسا لتدعيم الأغنية الممزقة بمقاطع مرتجلة قبل أن ينسحب للخلف.
حمدان ود حاج النور لاحظ أن هناك عددا كبيرا من رجال القرية كانوا يقفون بتحفز خلف الفرقة الموسيقية ويحاولون التقدم بتردد نحو مكان المغني الشاغر، وفجأة شهر حمدان عصاه مقتحما المسرح وخلفه عاصفة من التصفيق الوجل بسبب تزايد المطر، ولكن حين بدا له أن بإمكانه إفراغ ما في جوفه من الأحلام المضطربة في صورة أنغام مجددة، للحياة وغابة المطر، قفزت الي حمي ذاكرته فجأة صورة ثلاثية الأبعاد، رأي زوجته وأطفاله الصغار جالسين في الفناء بسبب إنهيار البيت، وللمرة الاولي لاحظ أن القدر الذي تركته زوجته يغلي فوق النار حتي ينام الاطفال، كان مليئا بالحجارة. جحظت عيناه، وجفت الكلمات في حلقه، حدّق حوله مذعورا قبل أن يولي الأدبار.

woensdag 7 augustus 2013

سعادة جناب الوزير!


!سعادة جناب الوزير


كانوا يجلسون في ضوء القمر بإنتظار طعام العشاء أمام المسيد، هواء الليل البارد يهب مشبعا برائحة الجروف، أصوات حزينة كانت تقترب وتبتعد من على البعد كأنها قادمة من عوالم أخرى، مثل أشباح ضوئية تختبئ في الليل من ضوء النهار. تنثر في العالم حزنا وخوفا غامضا، قطع فارس صمت الحزن بقوله:
حكومة الجوع الفقر دي حتتحل من رقبتنا متين!
علّق سليمان الاعرج: مؤتمر وطني وكت يشتم الحكومة معناها يا داير ليه قرشين يا عاوز يبقى وزير!
وقال شيخ النور: أو يكون وزعوا ليهم غنيمة بيناتم وما أدوه حقه!
قال شيخ سعيد: فارس يبقى وزير!
ضحك شيخ النور وقال: أهم مؤهل عشان يبقى وزير عنده، ما بيفرز حق الناس من حقه! كلنا أخوان وكدة!
ضحك الاعرج وقال يعني إنت لحنتها يا شيخ النور ما تقول بالواضح حرامي!
إقترب صلاح الجاز الذي كان يدخن سيجارة القمشة بعيدا منهم قليلا وقال: سمعت في الخرطوم قالوا التوزير إنت وحظك، في زول قالوا بيفتش في شغل ساكي مكاتب العمل والشركات وما خلى زول بيعرفو، يمشي أي مكان يقولو ليه انت يا دوب اتخرجت وخبرة ما عندك، ما بنقدر نشغلك، واحد نصحه قال ليه سوي ليك دقينة أمورك بتسلك، عمل دقينة برضو مافي فايدة، الجماعة ديل بقوا يفرزوا ناسم لأن الدقون كترت، أها يوم ضرب ليه زول في الموبايل، قال ليه منتظرنك تعال أحلف، افتكر إن الموضوع محكمة ولا شهادة حيمشي يحلف القسم، قالو ليه تعال في مجلس الوزراء، إستغرب قال يمكن الحرامية كتروا هناك عملوا ليهم محكمة براهم، زي المحاكم البيعملوها لشركات الاتصالات وكدة! ركب ليه دفار نزله في شارع البلدية وتم الباقي بكرعيه.
وكت وصل، لقى حرس أداهم بطاقته، فتشو إسمه في اللستة و دخلوه، لقى زول سلم عليه وفي صف بتاع ناس واقفين وقف معاهم، ويعاين للزول السلم عليه ويقول يا ربي الزول دة أنا شايفه وين، سأل الزول الواقف جنبه إنت الزول دة منو؟ أنا شايفه قبل كدة!
الزول ضحك و قال ليه: تكون شفته في التلفزيون! بعدين قال ليه: يازول انت ماك نصيح ولا شنو؟انت ماعارف دة الرئيس؟ أمال جايي هنا ليه؟ انت مش جايي تحلف القسم؟.
زولك عرف في شئ غلط، لكن قطع الحركة لامن وصل المصحف وحلف، أها وصلوه مكتبه وأدوه العربية ، قعد كم يوم لا شغلة لا مشغلة، وما عارف يعمل شنو، يقرأ الجرايد ويشرب الشاي والقهوة لامن هو ذاتو إحتار يا رب أنا وزير ولا مساعد رئيس! بعد كم يوم جوا قالوا ليه معليش في غلط حصل، تشابه أسامي، لكن هسع ما بنخليك تمشي ساكت، حنعملك مدير لشركة تحت التأسيس، وبعدين غمتو ليه قرشين ورفدوه!
قال فارس: والله دي انا ألقاها باب المسيد دة ما يمرقني، بعدين ما في حاجة اسمها حصل غلط، الماشي صاح في البلد دي كلها شنو؟ والله ان دقسوا عينوني وزير ما أسلمها تاني الا عيسى!
ضحك شيخ النور وقال: ياهو دة الاتعلمتو من الكيزان؟ تمسك في اي شئ لغاية تموت! بعدين اسمك دة ما بيغلطوا فيه، مافي غيرك في البلد كلها زول اسمه فارس، لو دايرهم يغلطوا في إسمك الا تغيرو!
أعلن فارس بغضب: كضبوا علي الكلاب قالو لي اتنازل في انتخابات الولاية وبنعينك مدير لشركة تابعة للزكاة او منسق دفاع شعبي، اتنازلت لا قرش لا تعريفة، بعد الانتخابات انتهت عملوا نايمين! لكن بعد كلامكم دة لو دايرني تاني الا ابقى وزير، الناس بالغلط عينوهم، انا اخدم فيهم من ايام رطل السكر كان بعشرة قروش، صغّرت نفسي وانا ولد شيوخ ولميت الحرامية، وفي النهاية يمرقوني بقد القفة!
اها وداير تبقى وزير شنو؟
ما بفاصل كتير، شئون دينية، وزير خارجية، اي حاجة! محلات اللبع التقيل عارف ما بلقى فيها فرقة!.
اها وبعد تبقى وزير تاني بتجي علينا هنا في المسيد؟
طبعا انا لازم اكون قريب من الشعب، بس لو شرفتكم في اي مناسبة لازم تدفعوا حاجة ما دام حتقشروا بي! ولازم تقولو لي سعادة جناب الوزير! الكلام دة عاجبني من ما سمعته مرة في التلفزيون!
قال شيخ النور: مفروض انت تدفع لينا ، اذا هسع انت مطلوق ساكت كلامك كله كضب وكت تبقى مسعول كبير حتعمل شنو؟
ضحك صلاح الجاز وقال ذكرتوني بقصة مسعول كبير دي مشيت مرة افتش شغل وداني واحد قريبنا لي زول كوز كبير، دقنه في الواطة. قريبنا شغال معاه بيشتري ويبيع ليه حاجات الظاهر عشان هو مسئول في الحكومة ما عاوز يظهر في السوق ، قال لي عندي مزرعة كبيرة بس لسواق ما عندنا شغل كتير لأن السماسرة بجو يشترو الخضروات بعرباتهم ما بنحتاج نرحل حاجة، بس ممكن مرة في الاسبوع تمشي تجيب مستلزمات المزرعة لو احتاجو شئ من السوق، وباقي الاسبوع تساعد شوية في تسميد اشجار الليمون. تنقل روث البقر والضأن وتفرشه تحت اشجار الليمون. اها وكت خلص من الكلام معاي قال لقريبنا دايرين نفتتح المصنع وعشان نعمل دعاية كويسة انا مفكر نجيب مسئول كبير كان رئيس كان نائبه عشان يظهر في الافتتاح. قريبي استغرب وقال ليه معقول مسئول كبير حيجي يفتتح ليه مصنع صلصة؟ الكوز قال ليه كله بحقه، تتفق مع سكرتير المسئول أو واحد من أهله وتديه حقه، لو عندك طهور ممكن المسئول الكبير يجيك ويشرفك!
بدا سليمان الاعرج متشوقا لمعرفة اخبار الكوز ومزرعته ومصنع الصلصة: اها والشغل كيف ولقيت المزرعة كيف؟
قال صلاح الجاز: رفضت الشغل معاه، وكت مرقت مع قريبي قلت ليه ياخي شوف لي شغلة تانية انا زول حديد وما بفهم الا في سواقتي دي، بعدين ياخي انا عندي رخصة تعبت فيها ممكن اركب بيها فوق زول اسوقه يجي كوزك الحرامي دة داير ينقل بي الزبالة؟ وعدني قال لي وكت نبدا شغل في المصنع بنحتاج سواقين. انتظرته اسبوعين وكت ما رد علي، الفلس حصل والاولاد في البلد ما عندهم شئ قلت احسن احصل ازرع لي شوية قمح يا اقع الدهب لغاية ما تفرج!
قال النور: وما عرفت المسعول الكبير دة بيأجروه بكم اليومين ديل؟
علق فارس : لو عندك افتتاح لي حاجة تعال علينا نحن اسعارنا مهاودة!
علّق سليمان الاعرج: انت من زمان شغال ببطنك متذكر وكت كانوا بيأجروك بالطحنية عشان تدق الناس في الاسواق؟
قال حاج سعيد: الولاية دي كلها زمن الانجليز كان حاكمها زول واحد راكب جمل وحايم يشوف مصالح الناس، وكل شئ كان ماشي زي الساعة، هسع والي ووزراء بوزاراتهم ومجلس شعب ولائي برئيس ونائب ونواب، ومحافظات ومحافظين ومساعدينهم ونوابهم ومديرين وضباط اداريين وبعد دة الناس تعبانة ومافي خدمات وكمان عليهم يدفعوا مرتبات ومصاريف الجيش دة كله، لا تعليم لا صحة ولا حتى أمان، قبل أيام لقيت المحرات العمره اكتر من خمسين سنة اتسرق، الناس جاعت ومع الجوع مافي أمان، الاولاد بقوا يلقوا اي حديد يسرقوه يودوه يبيعوه لناس مصانع الحديد. ركبت ساعة وصلت نقطة البوليس قلت اعمل بلاغ يمكن واحد يلقاه بالصدفة يبلغ. العسكري قال لي المحرات دة تاني الله اعلم يتلقى احسن تستعوض ربك! قلت ليه وكت انت تقول كدة أمال امام الجامع يقول لي شنو؟ قال لي ما مشكلة ممكن نعمل ليك بلاغ لكن كدة امشي السوق جيب ورقة وقلم عشان نعمل ليك البلاغ! قلت ليه ياخي انا كمواطن قاعد ادفع ضريبة رغم ان الحكومة ما بتقدم لي اي خدمة، ولو مرضت ولا موسم زراعتي فشل مافي زول بيسأل علي، هسع من قروش البترول المليارات الدخلت البلد وما معروف مشت وين دي، ما بلقى لي منها ورقة وقلم بس؟
قال شيخ النور: أمن المواطن دة ما شغلهم لكن كدة اقيف في اي محل وقول الحكومة ظلمتني، والله محل يودوك الجن ما يعرفو
وقال سليمان الاعرج: انت يا حاج سعيد وكت مشيت تسأل من حقك تطلب ورقة وقلم بس؟ يا حاج سعيد البترول دخّل للبلد دي اكتر من 60 مليار!
قال فارس: والسد البنوه ليكم والشوارع!
ضحك سليمان وقال: السد بنوه ليهم ما لينا، بعدين ياخوي قروش البترول مليم منها ما دخل السد، السد دة اتبنى بديون مية سنة ما ندفعها! بعدين يا خي غير قروش البترول الدخلت البلد وما شفنا منها حاجة دي، وين قروش الأراضي والمشاريع والمؤسسسات الاتبنت من عرق ودم المواطن، الباعوها لناسهم وللأجانب؟
بصق فارس بصوت مسموع وقال: يا جماعة نحن مستهدفين والبلد محاصرة!
ضحك النور وقال: الحصار دة بس على جهتنا، جهة حكومتك عايشين في امان الله ساكنين القصور وراكبين افخم عربات. اصغر مسئول راكب عربية تمنها يبني بيت والمستشفى عربية اسعاف تنقذ العيانين ما فيه، الحقيقة نحن المحاصرين ومحاصرننا كيزانك ديل بكضبهم وسرقة حقوق المساكين.
ضحك الاعرج وقال: وانت مالك بسرعة رجعت هسع ما كنت بتشتم فيهم!
لم يرد فارس، حضر أحد الصبية يحمل صحن العشاء الضخم في ضوء القمر، شمّر فارس كم جلبابه وقال: الليلة لبن وغدا أمر، يا الوزارة يا الغابة ! ابقو عشرة و جهزوا تور الكرامة!


أحمد الملك


dinsdag 30 juli 2013

الخواجة في الإنداية!


الخواجة في الإنداية!
07-29-2013 09:44 AM


في المسيد كان المجنون نائما تحت شجرة النيم، ايقظه حاج سعيد لصلاة العصر، لكنه قال وهو نصف نائم: صلوا انتم انا بحصلكم!
تحصلنا وين هي صلاة ولا غداء، وكمان عامل لينا كوز وتقيف تكورك في الناس بعد صلاة الجمعة. طيب زح كدة شوية خلينا نصلي انت مالي البرش بجسمك الكبير دة!.
قال فارس: قول ماشاء الله داير تسحرني جوة المسيد!
العين دايرة تعمل ليك شنو، يا جسيم!.
غنى فارس بصوت أشبه بنهيق حمار: يا جسيم الريد الريد فوقك النبي، ثم جمع جسده من فوق البرش وتكوم جالسا وقال:
الناس وكت تكبر تعقل، ناس الحلة دي وكت يكبروا يجنو وعينهم تبقى حارة، هسع الزين عمي دة زمان كان كويس، هسع عينه تقد الحيطة، مرة مشى للمساعد الطبي لقاه زارع العيادة بالخضروات بموية الطرمبة، قال ليه والله انت شديد نحن قدر دة بالوابور ما قادرين نزرع!
قابلت المساعد بعد ايام قال لي عمك نجمني، قلت ليه كيف، قال لي سحرني داير يخرب بيتي، جة لقى المحل ملان خضار قال لي دة نحن بالوابور ما قادرين نزرع قدره، انت زارع بطرمبة اليد!. من اللحظة ديك طرمبة الموية وقفت من سحب الموية جبنا زول يصلحها ما قدر يعرف المشكلة شنو، بقينا موية الشراب ما لاقينها والخضار المزروع اتحرق بالعطش!

لم يحضر احد لصلاة العصر، صلى حاج سعيد لوحده، وبعد أن فرغ من صلاته إلتفت نحو فارس : والزين وين اليومين ديل ما ظاهر؟
مشى الخرطوم يعالج مك الدار عمتنا.
مالها مك الدار هسع قريب دة مش وداها عملت عملية؟
ايوة انا مشيت معاه، كان عندي غرض في الخرطوم قلت ارافقهم، عمي الزين طبعا ما قعد يدي مك الدار حاجة من حق التمر ورثة جدنا، ياهو بس ساكنة معاه تاكل وتشرب، وكت بقت تتكلم وقالت دايرة تعرف حقها لأن محتاجة قريشات تسافر الخرطوم تزور اختها هناك، اها ساقها الخرطوم، اصلا هو كان ماشي، يحب دايما في الصيف يمشي هناك يقع الانادي، يحب الشراب النضيف. اها وهمها قال ليها انتي عيانة نمشي نعالجك، قال ليها يا مك الدار انتي كل يوم راقدة جيبوا لي الحكيم، زمان العلاج كان مجان، الكيزان جو عملوا العلاج بالقروش، حقك من التمر كلو قاعد يمشي للمساعد الطبي والدكتور، بعدين التمر ذاته اكتر من النص وقع ، وبالعطش قليل منو بينتج، الكيزان نشفوا البلد حتى الموية التحت الواطة راحت، والجاز غالي ما بنقدر نزرع تحت التمر كله.
في الخرطوم وداها للطاهر ود عمتى السرة، نحن كلنا سامعين الطاهر قرأ وبقى دكتور، لكن دكتور بتاع شنو مافي زول عارف، الزين أشّر لمك الدار و قال للطاهر:

سوق امك دة ، عالجو كويس!
الطاهر عارف حركات خاله، قال ليه:
عندها شنو؟
ارتبك الزين من السؤال، يظهر انه ما كان عارف مرض مك الدار، وهو عامل قدام الناس انه مهتم بيها وجايي مخصوص عشان يعالجها!
رد بعد تردد: انا عارف، ثم استدرك كأنه تذكر شيئا: عنده كحة!
إبتسم الدكتور وقال: معقول يا خال عنده كحة تجيبو لدكتور اسنان؟
الزين طبعا اصلا ما بيستسلم، حك راسه وقال: انا عارف، ما قالو لي انت دكتور شاطر، على كل حال في الاسنان كمان بيتلقى عنده مشاكل، سنونه دة يطحنو الأكل من زمن حفروا البحر، اكيد يكون فتروا ودايرين عمرة!
المهم قام بتحويل مشكلة الكحة بقدرة قادر الى مشكلة في الاسنان، عندها فاجأه الطاهر: انا دكتور أمراض جلدية.
تردد برهة وقال: جلده قديم، عنده مشكلة في الجلد، قبل زمن كان عنده نشاف في الجلد وديناه البصير عالجه بورق الصبار والقرض، بقى كويس لكن اظن رجع ليه نفس المشكلة تاني. بعدين لو قدرت عالجت جلده دة الكحة كمان ما بيغلبك.
اقول ليك كلام يا خال انا ذاتي ما دكتور جلدية ولا اسنان انا بيطري!
صاح الزين وقد اصيب بالاحباط:
بتاع حمير وكلاب؟
ايوة.
يا زول خلي الكلام دة بيناتنا نحن في البلد هناك قاشرين بيك، ولدنا دكتور أخصائي، اي زول عيان والا دايرين منه مصلحة نقول ليه، عندنا ولد دكتور شاطر لو احتجت ليه تعال نديك تليفونه تقابله في الخرطوم، ثم فكر وقال، على كل حال مافي زول بيفرز، الناس تعبانة وما عندها حاجة لو كشف عليها بتاع ناس بتاع حمير ما فارق معاها المهم يكون مافي دفع، والعلاج معروف، براي انا بمشي الاجزخانة بشيل الدوا ، دكاترة اليومين ديل اول شئ يودي السماعة فوق جيبك، لو ما سمع حركة، ما بيشتغل بيك الشغلة ! لو سمع خشخشة بعد داك يوديها فوق القلب! اساسا انت لو جيبك كويس قلبك يدق زي الطاحونة! خوف ساكت يفضو ليك جيبك!
اها نازلين بيت عمتنا، كل يوم يصحيني الدغشة ويستعجل عمتنا تجهز الفطور عشان عندنا مواعيد مهمة مع دكتور، وكت نمرق الشارع يقول لي: اها نمشي على وين؟
قلت ليه انت بعد استعجالك دة كله ما عارف ماشي وين؟
: لأ يعني حنمشي وين، شوف لينا اقرب انداية!
قلت ليه : والدكتور القلت عندك مواعيد معاه!.
بعد ان نصل الانداية ونبدأ في الشراب، وكت يتكيف من الشراب يقول لي: في ذمتك دة ما العلاج ذاتو، العلاج دة اصلو الا حباية وكبسولة، حرّم المرة دي انجح من اي دكتور اخسائي!
في الانداية لقينا خلق كتيرة فيهم أجانب كمان، وكت سألنا من الأجانب حكوا لينا قصة الخواجة الكان بيمشي كل يوم انداية في الخرطوم ، لكن الظاهر انداية مجيهة، فيها الويسكي، اها الخواجة كل يوم يطلب كاس ويسكي يشربه ويمشي، الا يوم جة طلب كباية عرقي، شربها، العرقي من شدة نضيف وقوي، لامن الخواجة وقف على حيله والكلام غلبه، اها تاني يوم برضه الخواجة جة قال داير كباية عرقي، ست الإنداية قالت: سجمي الخواجة دة اسلم ولا شنو؟
سكرنا ومرقنا قال لي شوف لينا محل تاني ننبسط فيه باقي الليل دة، واي زول يسأله مالك في الخرطوم يقول ليه والله اختى مك الدار عيانة جبناها للعلاج! في الفترة القعدناها ما شاف مك الدار الا يوم سلمها للدكتور، بعد داك كل يوم وكت نصحى من النوم بتكون هى طلعت للمستشفى مع الطاهر وكت نرجع بالليل بنكون سكارى ، الزين بيكون نسى هو ذاته منو خليك من اخته
!

الطفل العاري صاحب الوردة الحمراء!


الطفل العاري صاحب الوردة الحمراء!



إهداء: الى صاحب الضمير الحي والقلم الذي لا ينكسر، الاستاذ صلاح عووضة

في ذكرى الثورة المجيدة خرجنا لنحتفل بالمناسبة، لم نكن نعرف بالضبط أية ثورة عظيمة كانت تلك التي سنحتفل بها. لم نعرف الا بعد ان أحضروا لنا اللافتات القماشية الضخمة التي سنحملها فوق رؤوسنا ومكتوب عليها بالخطوط الزرقاء الكبيرة عاشت ذكرى ثورة يونيو العظيمة. كان الجو قائظا حتى أنّ أحد زملائي علّق هامسا حين أحرقتنا الشمس مجرد أن غادرنا مبنى الشركة التي نعمل بها.
ألم يكن بإمكان هؤلاء العسكر الانتظار قليلا حتى يحل الشتاء، ثم يقوموا بثورتهم المجيدة هذه!
شعرت برغبة في التمرغ في الأرض من فرط الرغبة في الضحك لكن الضحكة لم تخرج من جوفي، شعرت بقوة مجهولة تقمع ضحكتي وتحولها الى طاقة خوف مكبوتة ، قلت له: كيف تقول ذلك عن الثورة التي انقذتنا!
نظر لي زميلي بإستغراب ولم يقل شيئا. رأيته يحمل احدى اللافتات ويرفعها عاليا ويزعق بصوت عال: عاشت الثورة العظيمة.. الموت للعملاء! حين ابتلعنا الشارع الذي كان على وشك ان يشتعل بفضل حرارة الصيف الجهنمية. بدأ زعيقنا يخفت كلما توغلنا في صمت الشارع، لأننا لم نجد أية إنسان يصفق للمسيرة او حتى يعبر بجانبها. كانت الشوارع خالية كأن كل شئ فيها ذاب بفضل القيظ، فجأة توقفت المسيرة المنهكة أمام طفل صغير عار لا يرتدي شيئا ، كان يمد يده طالبا للمساعدة.
إنتبهنا الى أنفسنا في مرآة الطفل العاري، رأينا وجوهنا المحروقة بسبب الجحيم ، وملابسنا البيضاء التي رأينا في مرآة الطفل انها كان متشابهة لأنها كانت تعكس دواخلنا المفرغة من أية شئ في تلك اللحظة!
بحثنا في جيوبنا عن شئ نعطيه للصبي فلم نجد شيئا، وجدنا في جيوبنا مفاتيح قديمة مغطاة بالصدأ وبقايا ألعاب أطفال، أعطي أحدنا للطفل الصغير لعبة بلاستيكية خضراء صغيرة تصور دبا ينطلق جاريا بمجرد ان تقوم بتعبئة مفتاح الظهر الذي يشبه مفتاح علبة السردين. بمجرد ان تسلم الصبي اللعبة وضعها في فمه وحاول ان يأكلها وحين استعصت اللعبة على أسنانه لفظها ومد يده مرة اخرى طالبا قطعة خبز، بدأنا نفتش جيوبنا مرة اخرى، خرجت في جنون التفتيش هذه المرة، قطع نقدية صغيرة يعلوها ايضا الصدأ لابد انها سحبت من التداول منذ سنوات منذ آخر تغيير للعملة الوطنية . أخرج احدهم وردة ذابلة يعلوها بعض الصدأ ودفع بها للصبي، حمل الصبي العاري الوردة ونظر اليها برهة، كان المنظر مدهشا لنا حتى انني حاولت الاحتفاظ بصورة تلك اللحظة المدهشة للصبي العاري الجائع الذي يحمل وردة في يده فيما الشمس الحارقة تحرس أو( تحرق)خلفية الصورة. لكنني لاحظت ان الصورة كانت تقاوم حفظها في الذاكرة وتحترق في كل لحظة من وطأة القيظ ، اكتشفت شيئا مثيرا: يمكنني حفظ الصورة في ذاكرة الصبي نفسه!
تعلم الطفل بعض الحذر من تجربة اللعبة البلاستيك حتى انه دفع بجزء صغير من الوردة داخل فمه، تغير شكل وجهه كأنه وضع سما داخل فمه، تسلل مذاق السم الى فمي حتى انني دهشت ان وردة بهذا الجمال تحمل في دواخلها طبيعة عقرب! اخرج الطفل الوردة من فمه لكنه لم يلقها مثلما فعل مع لعبة البلاستيك. كان واضحا من حيرته أنه مقتنع بأن الوردة يمكن ان تساعد في شئ ما، لكنه لا يستطيع تحديده، رفع يده فإرتفعت الوردة بإتجاه الشمس وبدأ شكلها يتغير، سرى دم خفي في أوراقها فإستعادت نضار وردة لم تقطف أبدا وتحول لونها الى اللون الأحمر. عندها تقدمت المسيرة مرة أخرى وتجاوزت الطفل العاري صاحب الوردة الحمراء.
ارتفعت اصواتنا مرة اخرى تزعق بنفس الشعارات المكتوبة على اللافتات التي نحملها، كأن مشهد الطفل العاري اعاد شحن بطاريات اصواتنا. ثم فجأة بدأت أصواتنا تخفت مرة أخرى، لتتوقف المسيرة للمرة الثانية فجاة على مشهد طفل صغيرعار آخر يمد يده طالبا المساعدة ! بدأنا نبحث في جيوبنا مرة اخرى ، وجدنا اشياء بلاستيكية رخيصة، قطعة حبل، قلم رصاص، عازل طبي خرج خطأ وشعر صاحبه بحرج شديد وحاول سحبه لكن الوقت كان قد فات. قال أحدنا: لا يوجد مال في جيوبنا رغم اننا نعمل في بنك الوطن!
انتبهنا في تلك اللحظة للمفارقة الغريبة لكن ذلك لم يستمر سوى ثانية واحدة، ليتواصل البحث في الجيوب دون جدوى، اعطينا الطفل قلم الرصاص فوضعه فورا في فمه، يبدو ان طعم القلم الرصاص لم يكن سيئا كما كنا نعتقد، فقد أكل الصبي جزءا منه، تركنا الصبي يمضغ قلم الرصاص وواصلنا سيرنا، فجأة اكتسحتنا عاصفة خريفية حملت معها اليافطات القماشية الى الفضاء وهطل وابل غزير من المطر، لكننا واصلنا مسيرنا رغم عوائق الطبيعة. أصبح الجو باردا فجأة وارتجفت أجسامنا بسبب البرد والمطر. قال زميلي الذي انتقد ثورة الصيف في البداية: ألم يكن بإمكان هؤلاء العسكر الانتظار قليلا حتى يحل الصيف ثم يقوموا بثورتهم المجيدة هذه!
قلت وكأنني منوم مغناطيسيا: كيف تقول ذلك عن الثورة التي انقذتنا!
لم يندهش زميلي فقط لكلامي، لكنني ايضا دهشت مما قلت حتى انني لكمت رأسي لأتأكد أنني لم اكن أحلم. هز زميلي رأسه ثم رفع صوته بحياة الثورة العظيمة وموت العملاء والطابور الخامس والسادس.
تقدمت المسيرة ،كنا نشعر أن مسيرتنا يجب أن تستمر رغم علمنا أنها تمضي دون هدف الى المجهول ، توقفنا مرة أخرى بعد قليل على منظر طفل ثالث عار يمد يده طالبا المساعدة. لم نتوقف كثيرا للبحث هذه المرة، أعطيناه قطعة الحبل البلاستيك التي بقيت معنا وواصلنا المسير دون حتى ان نعرف ان كان سيحاول أكل قطعة الحبل.
فجاة توقفت المسيرة أمام جدار عال يمتد على مد البصر يمينا ويسارا. وقف الزميل صاحب ثورتي الشتاء والصيف واقترح ان نعود من حيث اتينا، قال عبارة غريبة لم يفكر فيها أحد: ربما وجد هذا الجدار لينبهنا الى انه لا يمكننا ان نستمر في مسيرتنا هذه الى الأبد.
قال أحد زملائنا: هل تعرفون كم يوما لبثنا؟
تلفتنا جميعا نبحث عن إجابة، كان منظر ملابسنا يقول اننا لم نغيرها لعدة أيام وربما أشهر.
عدنا من نفس الطريق الذي جئنا منه، حين مررنا بمكان الطفل الثالث الذي اعطيناه قطعة حبل، لم نجده في البداية، لكن حين اقتربنا وجدنا جسده مشنوقا يتدلى من شجرة قصيرة! لقد انتحر مستخدما نفس الحبل الذي اعطيناه له. رأينا أنفسنا في مرآته نرتدي أكفاننا البيضاء! مثل ثلة من الموتى يتظاهرون في الجحيم!
وجدنا انفسنا نجلس أرضا وننخرط في البكاء، لم نعرف ان كنا نبكي على الطفل الذي شنق نفسه أو على صورتنا التي رأيناها في مرآة الطفل الميت.
بكينا حتى استنزفنا آخر قطرة دمع، وحتى نسينا سبب بكائنا. قبل ان نواصل المسير، حين وصلنا الى مكان الطفل الثاني، اجتاحنا الفرح فقد كان الطفل حيا، كان لا يزال يمد يده طلبا لأية مساعدة. لم نجد أثرا لقلم الرصاص. حمل احدنا الطفل فوق رأسه وواصلنا المسير، مجرد أن رفعنا الطفل فوق رؤوسنا حتى بدأت الحياة تسري في عروق في المسيرة المرهقة، وصلنا بعد قليل الى مكان الطفل الثالث وجدناه لا يزال حيا لحسن الحظ، كان قد استخدم وردتنا الحمراء كغطاء لعورته. حمله أحد زملائنا في المقدمة ووضعه فوق رأسه.
، قال زميلنا صاحب ثورات الشتاء والصيف : لدينا الان لافتات حية لانحتاج لننظر اليها كل مرة لنعرف ماذا نقول!
لم نندهش هذه المرة لكلامه، شعرنا بمسيرتنا تصبح أكثر قوة وعددا وهي تهدر في طريق العودة الطويل.

woensdag 17 juli 2013

إنقلاب عسكري في القرية

حين عدنا من رحلة السباحة في نهر النيل بعد أن هربنا صباحا من القرية بسبب منعنا من الذهاب الى نهر النيل الذي إرتفع منسوب مياهه ، من على البعد وجدنا القرية هادئة وقد بدأ المساء يرخى سدوله، قال احد زملائي هدوء القرية الشديد يثير الريبة ربما يقوم رجال الجيش بتفتيش القرية بحثا عن الشباب! فكّرنا قليلا ووجدنا انه من الافضل ان نتريث قبل ان نغامر بدخول القرية.
بزغ القمر فجأة فغرق العالم في الفضة، كنا نشعر بالجوع لكن الاسترخاء فوق كثبان الرمال القمرية كان رائعا ، كانت تتماوج من حولنا أصوات الصبية من على البعد يلعبون شليل في ضوء القمر ، اضافة لعزف وغناء على الطنبور يحملها هواء الدميرة في موجات متقطعة حسب اتجاه الريح.
فجأة سمعنا صوت اطلاق رصاص! يا للكارثة لابد أنهم رجال الجيش اذن! ولماذا يطلقون الرصاص؟ ربما هرب بعض الشباب او رفضوا اطاعة اوامر التوقف فأطلق الجيش النار عليهم! لقد حدث ذلك عدة مرات كما سمعنا حين حاول الشباب في احد المعسكرات الهرب لقضاء العيد مع ذويهم اطلق المجندون النار عليهم في ظهورهم دون رحمة.
شعرنا بالقلق والخوف حتى اننا قررنا ان نعود لنعرف ما يحدث حتى وان كان هناك خطر علينا، كنا نشعر بخوف شديد، هل هناك شخص اصيب من اطلاق النار؟ تقدمنا داخل القرية بحذر لكننا فوجئنا بوسط القرية هادئ تماما ولم نجد أحدا في المسيد رغم ان موعد صلاة العشاء قد اقترب. جلسنا امام المسيد على امل ظهور شخص ما يشرح لنا ما يحدث في القرية.
فجاة سمعنا مرة اخرى صوت اطلاق رصاص من على البعد، بدا لنا قادما من الجزء الشمالي للقرية، فتحركنا فورا الى اتجاه اطلاق النار.
حين وصلنا وجدنا عددا كبيرا من اهل القرية يقفون في ميدان مفتوح في المنطقة المطلة على المزارع. لم نتبين الوجوه جيدا في ضوء القمر لكن كل كبار رجال القرية كانوا موجودين هناك، يتقدمهم عظماء القرية الذين يقفون في المقدمة، كان هناك شيخ علي رئيس اللجنة الشعبية و حوله كل اعضاء اللجنة الشعبية في القرية. عرفنا ان شابا هرب من الجيش كان يطلق النار في الهواء من سلاحه وقد فزع رجال اللجنة الشعبية لاعتقادهم بوصول بعض الحركات المتمردة الى مشارف القرية. عرفنا أن الشاب هدد بضرب القرية ان لم تجاب مطالبه.
كان شيخ علي يحمل ميكرفونا في يده ويتحدث مع الجندي الهارب طالبا منه تسليم سلاحه والاستسلام. وكان هناك شخص يحمل الميكرفون ويناوله للجندي عبر حائط قصير كان يقف خلفه. كان كلام الرجل واضحا يجب خروج جميع الاشخاص الذين ينتمون للنظام من القرية والا انه سيقوم بفتح النار على الجميع!
اعطى شيخ على المايكرفون الى شيخ النور وجدها شيخ النور فرصة لشتم الحكومة على الهواء، قال له : يا بني كلنا معك ان هؤلاء مجرمون دمروا البلد لكن ما ذنب اهل هذه القرية كي يدفعوا الثمن؟ الا يكفيهم ما هم فيه من فقر وفشل للموسم الزراعي !
حين تسلم الميكرفون رد الجندي على شيخ النور: انا افهم كلامك يا شيخ النور واعتذر عما سببته لكم من مضايقات لكن هؤلاء الكلاب لا يفهمون الا لغة السلاح!
وكان الناس يتسلمون المايكرفون ويتحدثون مع الجندي بطريقة اشبه ببرنامج ما يطلبه المستمعون. فيما كان شيخ علي ينظر كل دقائق الى ساعته ويقول: لقد تأخر رجال الجيش!
قال له شيخ النور: الجيش فاضي ليك وين عشان يجي لي موضوع زي دة. انت ما تتفاهم مع الزول دة.
لكن شيخ على كان عنده فكرة اخرى. نظر حوله وتساءل:
أين صالحين والد هذا الصبي؟
قال احد اعضاء اللجنة الشعبية يكون سكران في بيته اصلا هو وولده بيسكروا مع بعض!.
رد عليه شيخ النور: مالك ومال الناس بعدين الولد دة انت قبضتوه من الشارع ووديتوه الجنوب يحارب بالقوة معاكم، انتم اصلا لو مقتنعين دة جهاد ما تمشوا تجاهدوا بدل ترسلوا اولاد الناس المساكين وانتوا قاعدين هنا ورا العرس والدنيا.
بعد قليل حضر الأب ، ترجاه شيخ على، يا صالحين قطعة الارض الطلبتها خلاص صدقناها ليك وحأشوف ليك حواشة في المشروع الجديد بس عليك الله شوف لينا ولدك دة يسلم سلاحه عشان مصلحته هو ذاته ومصلحة البلد.
امسك صالحين بالمكرفون وقال: اذيك يا عثمان كيفنك، والله مشتاقين ليك من ما ناس الجيش ساقوك ونحن نفتش في اخبارك. كان شيخ علي يتعجل في صالحين،: خلي السلام هسع يا شيخ صالحين وقول للولد يسلم السلاح.
لكن العم صالحين مضي يتونس مع ابنه ولم يعر كلام شيخ علي ادنى اهتمام.
يا ولدي نعجتك ولدت، والحمارة الكبيرة ماتت. والموسم السنة دي فشل. حسين خلى المدرسة، كل يوم يطردوه عشان ما دفعنا الرسوم مشى الخلا يفتش الدهب. والحمدلله نحن بخير. امك بتسأل عليك كان عندها ملاريا وديناها الحكيم قال لازم تتغذى كويس واداها شوية حبوب لكن لسة راقدة. والحمدلله نحن كويسين.
قاطعه شيخ على: يا شيخ صالحين الحكاية شنو نحن جايبنك عشان تحكي قصة حياتك ولا كان رايح ليك ماكرفون وناس تحكي ليهم . خلصنا اعمل معروف وخلي الزول دة يجي يسلم سلاحه وانا اضمن ليك الموضوع ينتهي هنا دة وولدك تاخدو في يدك وتمشي هسع.
قال شيخ النور لسليمان الاعرج الذي يجلس بجانبه: كضاب، وليه اتصل بناس الجيش وقالوا ليه حنرسل ناس عشان يقبضوا عليه لأن هارب من الجيش!
واصل صالحين وكأن شيخ علي لم يتكلم معه ابدا:
يا ولدي لو قدرت بعدت من الناس ديل لازم تجي تزرع السنة دي عشان تساعد ابوك انا خلاص العيشة غلبتني يا كمان تشوف ليك طريقة تمشي عمرة. اخوك خلى المدرسة وامك عيانة وانا ذاتي والله تعبان والرطوبة قربت تحميني المشي، العجل وديته بعته في السوق عشان نعالج امك!
خاطب شيخ علي شيخ النور: يا النور ما تتكلم مع الزول دة يخلصنا من الحكاية دي.
قال له النور: انت مستعجل مالك ما كلام الزول دة حيخلي الولد يهدأ ويجي براه لو صبرت شوية، ثم ضحك شيخ النور وقال: طبعا يا شيخ علي انت داير تحاول تخلص الموضوع قبل ناس الجيش يجوا عشان تعمل فيها فعلا زعيم للبلد وكلمتك مطاعة!
شعر شيخ علي بالحرج لكنه هز رأسه ولم يقل شيئا.
واصل صالحين الحديث الهوائي مع ولده: والله يا ولدي من ما ناس الجيش ديل ساقوك، امك مرضت وطوالي كلما تسمع حركة في الباب تقول دة عثمان، قبل يومين ابو البشير كورك فوق الشجرة أمك رفعت راسها اول مرة من كم يوم وقالت: عثمان جة، ثم ضحك وقال ابو البشير شافك جايي لكن ما شاف السلاح المعاك دة!
كان شيخ علي يتململ وينظر الى عقارب ساعته الفسفورية ويصلح من وضع عمامته الضخمة، فيما واصل صالحين رواية الحكايات لولده وبدا المشهد مثل أم تهدهد صغيرها قبل ان يخلد للنوم:وكت بعنا العجل قلنا نوفر شوية قروش نصلح البيت شوية قبل ما ترجع لكن العلاج غالي يادوب تمن العجل كفى تكاليف علاج امك وما قدرنا ندفع لي حسين عشان يرجع المدرسة هسع مشى في الخلاء يفتش الدهب. هناك قالو انت وحظك يمكن تقعد سنة كاملة ما تلقى اي شئ. دة غير التعب والمشاكل.
تمكن شيخ علي من العثور على سليمان شقيق صالحين واحضره، تحدث سليمان مع صالحين وترجاه ليطلب من عثمان تسليم سلاحه ليذهب معهم الى البيت لأن امه في انتظاره.
رفع صالحين الميكرفون، حمد شيخ علي الله لأن المشكلة على وشك ان تنتهي: قال صالحين يا عثمان: متذكر .. ثم صمت برهة شعر بها شيخ علي كأنها دهر، ثم واصل: شجرة الليمون الكنت زرعتها قبل ما تمشي؟
سقط شيخ علي ارضا من فرط المصيبة. فيما واصل صالحين الحديث مع ولده حول العجل والبقرة والمشاكل الاخرى.
فجأة قال صالحين بالنسبة لمشكلتك مع الجماعة ديل، تنفس اعضاء اللجنة الشعبية الصعداء اخيرا، لكن صالحين أعلن بعد فترة صمت:
يا ولدي أعمل ساتر واضرب اللواي.....(صوت صفّارة هنا بسبب الكلمة الخادشة للحياء العام!).
عندها فقط رأينا عثمان يبرز من خلف الجدار وقد اشرع سلاحه، اطلق عدة طلقات في الهواء كانت كافية ليلوذ الجميع بالفرار، حكومة ومعارضة وحتى الذين لم يقرروا الى أي معسكر ينضمون لاذوا ايضا بالفرار،وكان في مقدمة الفارين شيخ علي رئيس اللجنة الشعبية. انجلي المشهد بعد زوال غبار الهروب بعد قليل. لم يبق شئ سوى عدد كبير من الاحذية محلية الصنع والعمائم واللحي المستعارة التي تساقطت في حمى الهروب، ولا شئ آخر، تقدم العم صالحين وأمسك بيد ولده وإتجها في ضوء القمر الى البيت.
 

woensdag 10 juli 2013

لا أحد يشتم الحكومة!

بعد صلاة الظهر في المسيد إستلقى العم سعيد على برش الصلاة ليستريح قليلا ، كان شيخ النور يتحدث مع صلاح الجاز أمام المسيد ثم إنضما للحاج سعيد وجاء سليمان الأعرج بعد قليل.
رفع حاج سعيد جسده من على برش الصلاة وأصلح الطاقية القديمة فوق رأسه الأشيب وقال:
والله يا اخوان فارس دة زول ما ساهل، والله سبحان الله تشوف فارس هناك في البنك ما تشوفه هنا مافي زول جايب خبرو. بالله وكت دخلنا البنك الناس دي كسرت عليه، اليقول ليه يا شيخنا ويا مولانا انا قلت البنك يمكن حق الزول دة. اها المدير جة جاري وفارس واقف ما شاء الله بالجلابية والعمة والملفح تحلف تشوفو تقول الزول كوز كبير ولا شيخ طريقة. ماسك ليه سبحة صغيرة ويسبح انا متأكد هو ذاته ما بيكون عارف بيقول شنو. المهم دخلنا مكتب المدير وبعد شربنا الشاي والقهوة فارس قال ليه : عمي داير ليه سلفية ، الموسم قرّب، بعدين عمي دة مع انه كبر شوية لكن ما شاء الله بيقيف في الزراعة بنفسه، بيجيب مزارعين معاه لكن اربعة صباحا بيكون واقف فوقهم. وقال للمدير : ما تشوفو كدة ماشاء الله لسة زول نصيح هسع قبل كم شهر مرته الصغيرة ولدت. دة السمن، عمي دة يحب السمن يشربه وكمان ينقط كل يوم في النخرة! عشان كدة ما شاء الله لو اداك بونية يعمل ليك حبس بول!.
ضحك المدير وقال ما شاء الله ، ربنا يبارك في عمرك يا حاج. وشيخ فارس دة زول عزيز علينا ما بنرجع ليه طلب. انا مسكت خشمي في اخر لحظة كان قربت اقول : شيخ منو ؟ وكت المدير قال شيخ فارس.
المدير ملا الورق براه. مضيناه ومرقنا. وكت مرقنا برة. المدير مسكو على جنبة وقعد يتكلم معاه. انا في الحقيقة استغربت لأن فارس البعرفو دة ما عنده موضوع يتكلم فيه الا بس ياهو العرقي كويس، العرقي ما كان نضيف. ادونا حقنا. وان قلض يكورك: لا تبديل لشرع الله. وتاني مافي شئ. وكت راجعين سألته: كنتو بتقولو شنو انت والمدير؟ داير يستهبل قال لي دة شغل تنظيمي نحن الاتنين مؤتمر وطني!
قلت ليه سجمكم، ومؤتمر وطني ذاته كلام شنو التقولوه، ناس المؤتمر ديل ما ناس كلام ناس فعل بس. اسرق القروش دي ، اكتل الزول داك. انا داير اعرس مثنى وثلاث، داير اخلف الزول داك في اهله، ياهو دة حكمهم وسياستهم.
قال لي : خايف اقول ليك تمشي تكلم عمي الزين!
قلت ليه سرك في البير، نفس البير بتاعة المترة الاندفنت بالتراب لأن كم سنة الوابور راقد.
قال لي صراحة الزول دة عنده ولده بيبول في السرير وكت ينوم وانا قاعد اعالجه ليه!
ضحكت قلت ليه بقيت دكتور من ورانا ولا ايه!
قال لي دكتور شنو، بالبخرات ! بركة ساكت، الناس دي كلها تجي تتبرك فوقي. انت ناسي شيخ الامين جدى كان فقير بيعالج الناس؟
ضحكت يا الاخوان لغاية ما وقعت الارض. صحي النار تلدي الرماد، انا ذاتي نسيت ان شيخ الامين صحي جده.
قال لي يا زول هي بطل ضحك، وانت ذاتك والله ما تبوس لي يدي الا يوم اسخطك!
قلت ليه ناسك ناس الانقاذ خلو فوقنا حاجة تتسخط؟ الما سخطوه بالجوع والمرض اتسخط بالهموم، اهي الناس دي كلها ماشة في الشارع تتكلم مع نفسها. الزول تشوفو من بعيد ماشي ينضم براه تقول يمكن شايل ليه تليفون ولا حاجة، يجي يفوت جنبك مافي تليفون في ايده ولا اي شئ، وينضم ويضحك، مونس نفسه براه في امان الله!
تذكر صلاح الجاز شيئا وقال: قبل ايام مشيت الخرطوم قعدت لي قدام ست شاي اشرب لي قهوة. جا ماري جنبنا ولد شاب شعره مبهدل تقول ليه سنين ما شاف حمّام ، ولا بس ليه هدوم كدة تقول سنة ما غيّرها. اها ماشي يشتم في الحكومة، ويأشر على العمارات الطويلة ويقول : قروشنا اكلوها الحرامية وسووها طوب وحديد. دقونهم جارة في الواطة وسرّاقين، تسمع الله أكبر تقول خلاص بدر الكبرى. وهم صعاليك حرامية ساكت. انا استغربت لأن سامع البلد دي مافي زول يقدر ينضم فى الحكومة والا يروح فيها مافي زول يعرف ليه خبر تاني.
في راجل كبير قاعد جنبي شافني مستغرب قال لي: الولد دة جنّ جديد!
قلت ليه كيف. قال لي كلنا مرينا بالمرحلة دي، دة الفلس! اولادك عيانين ما عندك حق الدوا، جعانين ما عندك حق العيش، دايرين قروش للمدرسة، اها تعمل سنو، تقطع هدومك وتطلع الشارع براك تشتم الحكومة، تجدع الناس بالحجر، بعد شوية وكت تفتر براك تعقل، تقعد، حتعمل ايه. بس لازم تتاكد تكون بتشتم براك لو لماك مجنون اقصد زول تاني دة يبقى تجمهر تلقى نفسك الطيارة قامت ويدقوك بخرطوش الموية لغاية ما تعرف حاجة.
علّق شيخ النور ضاحكا: زمان كان في زول في شارع البلدية بيقيف اليوم كله يشتم النميري، ما كان في زول بيسأله لأنه عرفوه مسكين عنده ظروف وكدة. وكت جات الانقاذ وقف كم يوم يشتم، ديل طبعا ما بيفرزوا نصيح من عيان لموا فيه دقوه دقة نضيفة، مسك خشمه وقعد. قبل سنين كدة قابلته في مناسبة قلت ليه مالك وقفت تشتم ناس الانقاذ ديل. ضحك وقال لي بالجوع مروة نشتم بيها ذاته بقت مافي!
أمّن صلاح الجاز على كلامه: والله فعلا ديل ما بيفرزوا، مرة لقوا حسين ود حاج علي، طبعا هو مسكين عيان عنده مرض كدة بيكون ماشي وبيرجف طوالي، مرة ماشي في الشارع في امان الله، مروا بيه الجماعة بتاعين النظام العام. وكت لقوا الزول بيرجف قعدوا يكوركوا الله أكبر، قايلنه سكران البهائم. وقفوا رفعوه في البوكس، وماشين عشان يجلدوه، ويكبروا تقول حرروا فلسطين. الكويس كانوا قابضين ليهم زول من الحلة الفوق بيعرف حسين، قال لواحد من العساكر يا جماعة الزول دة مريض ، الزول دة ما قعد يشرب، كلموا الضابط قال ليهم الا نودي لي الدكتور هو اليقرر. اها وكت وصلوا ودوه المستشفى الدكتور الظاهر زهجان من العساكر والكيزان، كشف عليه وقال ليهم لو جلدتوه مليون جلدة الرجفة دي ما بتروح الزول دة عيان! اضطروا خشمهم ملح ملح فكوه ساكت!
قال شيخ النور: الدين دة سترة ما فضيحة والا ما كان قالو للزنا جيبو اربعة شهود عدول، زمان وكت البنت تحمل بدون زواج براحة كبير الحلة يلم ابوها وابو الولد ويعقدوا ليهم والموضوع انتهى ، ودة الدين سترة من الفضيحة. هسع يجوا ناس النظام العام يقبضوها ويقبضوا اي ولد تجيب سيرته تبقى فضيحة وسيرتها علي اي لسان. وفي النهاية يجلدوها في المحكمة لأنها قذفت الاولاد وما عندها شهود عدول! الناس ديل رافعين الدين سوط عشان يذلوا الناس. بعدين هم عندهم فهم ان السلطة دي هيبة، تلقاهم من رئيسهم مربطين وشهم ومكشرين، ويقول ليك مافي تهاون في دين الله. وهو حرامي وكذاب. تاني دين شنو الداير يتكلم فيه.
قال فارس الذي جاء متأخرا: يا اخوانا مهما كان رأيكم في الناس ديى لكن الناس ديل جاهدوا عشان ينشروا الدين!
قال سليمان الاعرج: وانت ليه ما مشيت جاهدت؟ ولا خفت الموت!
- لومت كان بموت شهيد وبعرس الحور العين
قال حاج النور: والله تشمهن قدحة. طيب داير أسألك ما دام عامل فيها مجاهد. انت وقت كان بيعقدوا للشهداء بتاعنهم على الحور العين البيكون وكيل العروس منو؟
ضحك شيخ سعيد وقال: يكون يي ترابي!
ترابي كان الماذون وفي النهاية وكت اختلف معاهم، قال الناس العقد ليهم ديل كلهم ما شهداء، ماتو فطايس ساكت.
قال شيخ النور: طول عمرنا دة فى دينا البنعرفه، صلاتنا وصيامنا وصلة ارحامنا، جارك اقرب من ولد امك وبيتك مفتوح للغريب والقريب، لا زول يبيت جعان لازول بيتظلم. الناس ديل جوا من وين عشان يقلبوا حياتنا دي كلها ويورونا الويل.
ثم نظر الى فارس وحاج سعيد وقال:يعني مدير البنك كمان كوز؟
قال سليمان الاعرج : طبعا لازم يكون كوز، ولد حاج نورين كان شغال في بنك في الخرطوم قال كل كم شهر يرسلوا ليهم مدير جديد، مؤهلاته كوز، لا خبرة لا اي شئ، اها قال اول يوم يجي البنك يقلع جلابيته يعلقها ويقعد بالعراقي ويقول ليهم شوفوا لينا دابة! يقصد لاندكروزر، اها اول ما يستلم الدابة تاني مافي زول يشوفه، يطلع سفريات ياخد بدل سفر بالدولار كم شهر يصلح احواله ويجيبو في مكانه واحد تاني، ما هودة التمكين الليقولو!
وقال شيخ سعيد: انت ليه يا فارس قلت لي ما اكلم الزين بحكاية علاجك لود المدير بالبخرات!
قال فارس: الزين لو عرف حيمشي للمدير يقول ليه شيخ الامين ابوي انا ودة ولد صعلوك ساكت. والمدير لو عرف شيخ الامين ابوه لو داير يتسلف قرو ش البنك كلها حيديه بضمانة جدى المات!