woensdag 9 oktober 2013


بين الصحافة والتجارة أو بين بهرام وأحمد البلال.!






أواخر العام 1998 كنت أجلس في أحد فرندات السوق الأفرنجي أقرأ في صحيفة. يصحبني الصديق الدائم آنذاك (كيس التسالي) والذي لم أتوقف عن (تعاطيه) رغم أنه جلب لي (الشتيمة) فقد توقف أمامي ذات يوم وأنا أقرأ الصحيفة في نفس مكاني، بائعان جائلان يحملان قطع جلاليب، وحين وجدا أنني كنت عازفا عن الشراء (بسبب ضيق ذات الجيب) حاولا إستفزازي : فقال أحدهما للآخر، سيبك منو، دة الظاهر ما عنده قروش!
وعقّب الآخر مؤمنا على كلام رفيقه: التسالي دة يكون ياهو فطوره!
قبل أن يحملا قطع الجلاليب ويرحلا لشتم أناس آخرين!
رفعت وجهي لأجد من حولي هذه المرة وبدلا من باعة الجلاليب، وفدا على مستوى عال، يصحبهم مصوّر بكاميرا مثبتة بخرق قماش على حامل يشبه يد المكواة. دهشت، فلم يكن لدي لحية تذكر، ولم أكن شخصا مسئولا ممن يدفعون الفساد والإهمال بدعاوي البلاء! وهو لا يعرف أنه هو أصل البلاء! في كل الأحوال أصلحت من وضع ياقة قميصي حين رأيت الكاميرا التي تشبه المكواة، وتذكرت مرشحا سقط في الانتخابات كان لا يني يردد كلما وقع فمه على مايكرفون أثناء حملته الإنتخابية الآية الكريمة:

وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي

لم أكن اتوقع حين إستعددت للتصريح أن ناس الوفد الصحفي لن (يفقهوا قولي) أو سيفقهوه ولكن على طريقتهم، يبدو أن منظر الجريدة التي كنت أقرأها جذب فضول الوفد. كانت تتقدمهم فتاة في مقتبل العمر كما يقولون (رغم أنني لم أكن اعرف آنذاك كم يجب أن يبلغ الانسان من العمر ليكون في مقتبل العمر) المهم شرحت لي الفتاة الصحفية كما أوضحت، إنهم يقومون بعمل إستبيان لمعرفة رأي القارئ حول الشكل الجديد لصحيفة أخبار اليوم! ثم مدّت لي يدها بالصحيفة بشكلها الجديد! إبتسمت مندهشا، وظننت (وبعض الظن إثم) ان الجريدة إنكمشت بسبب الظروف الاقتصادية السيئة! وأن الانكماش الذي طال حياة الناس كلها فتقاصرت الوجبات والمرتديات (ما يرتديه الناس) حتى أن صديقا كان الناس يحسبونه من جماعة أنصار السنة بينما تقاصر جلبابه بسبب عوامل التعرية. حسبت أن الإنكماش طال حتى الصحف فأصبحت بقدرة الله، والمصممين، تابلويد، أي نصف الجريدة التي نعرفها.

ولأنني كنت مفارق في ذلك الوقت وعيني قوية، فقد نظرت بعيني القوية الى جريدتهم ثم أدليت بتصريحي، قلت لهم، إن الشكل غير مهم، المهم هو المضمون، وأن صحيفة الأستاذ محجوب عروة وهو المحسوب على الحركة الاسلامية هي أكثر إستقلالية بل أقرب للمعارضة، من صحيفة أحمد البلال الطيب والتي نفهم من كلمة مستقلة المكتوبة في أعلى صفحتها الأولى، أنها بالضرورة مستقلة، لكن واقع الحال أنها، كما مضيت في تصريحي، نسخة بالكربون من الجرائد الحكومية! حتى إعلانات البسكويت وصفحة الوفيات، (الفقد واحد!).

بدا عليهم إحباط إختيار الشخص الخطأ، و(تكربنت) وجوهم قليلا ربما لذكر الكربون! لكنهم قبل أن يحملوا جريدتهم القصيرة (التي لا يطاع لها أمر) طلبوا مني أن أعطيهم إسمي ومهنتي وأسمح لهم بإالتقاط صورة. لبثت مبتسما بعض الوقت (حتى تعب فمي من عبء إبتسامة إجبارية لشخص جيبه خال مثل قلب المؤمن المطمئن) حتى أصلحوا الكاميرا المكواة و(كشحوني) بفلاش مركز جعل عيني القوية ترتعش!

المهم كنت متلهفا وأنا أشتري جريدتهم القصيرة في اليوم التالي لمعرفة كيف تعاملوا مع تصريحي، عرفت صورتي بسرعة (لم أتغير كثيرا منذ الأمس) لكنني لم أعرف كلامي أبدا، حتى إسمي قاموا بتغييره قليلا، أما المهنة فبدلا من مدرس كما أعلنت كتبوا: صاحب مكتبة! يبدو أنها مهنة مثالية لمن يريد أن يعطي رأيا حول أحوال الصحافة، فمع الظروف الاقتصادية السيئة لم يعد بمقدور أحد سوى صاحب المكتبة، الذي يقوم بتوزيع الجرائد، أن يقرأ الجرائد كلها.

بالنسبة للرأي وجدت أنني أشدت بالشكل الجديد للجريدة! بقية تصريحي الذي قلت أن الجريدة نسخة كربونية من الداخل من صحف الحكومة، وأنه لا يوجد فيها شئ مستقل سوى كلمة مستقلة المكتوبة في الأعلى باللون الأحمر، تم التعامل معه بدبلوماسية تلفيقية فأصبح: ونتمنى ان تحافظ الجريدة على استقلاليتها أو تصبح الجريدة أكثر إستقلالية، شئ من هذا القبيل الذي حوّل تصريحي الكربوني الآنف ذكره الى مجرد تمنيات!

تذكرت ذلك وأنا أقرا ما أثير حول الأستاذ أحمد البلال الطيب في الأيام الماضية إثر حواره التلفزيوني مع إحدى القنوات العربية، الذي عرفنا فيه كيف يجب أن يكون الاعلامي الجيد وكيف يجب أن يبتعد عن النشاط السياسي! أي نترك الساسة يعجنون ويخبزون في السياسة، والإعلاميون يعجنون ويخبزون إعلاما. والشاطر من يسير على العجين ما (يلخبطوش)! أطرف ما قرأت من تعليق لأحد قراء الراكوبة. أن أحمد البلال تتوفر فيه صفات التاجر الجيد، وأنه ضل طريقه الى الإعلام بدلا من طريقه الحقيقي إلى السوق. وأنه يجيد البيع والشراء لكن ذلك، وإن كان جيدا في السوق لكنه ليس محمودا في الصحافة.
لم يعد لمن يمسك العصا من وسطها دور الآن، الآن الكلمة لبهرام ورفاقه من الشرفاء. دماء شهداء الحرية والكرامة وضعت خطا فاصلا بين حياتنا وبين المخذّلين وتجار الكلمة، لا خير في إعلام لا ينحاز للحق ويحارب الباطل، حتى لو أمسك الباطل بالصولجان بيديه ورجليه. فالباطل الى زوال وإن طال أمده.

قبل سنوات وقعت عيني مصادفة على نسخة من أخبار اليوم أحضرها أحد القادمين من الوطن، فوجدت أنها عادت لحجمها الطبيعي، بقي المضمون نفسه. قلت لنفسي: طيب ما دام أصلا حيرجعوا للشكل القديم (تاعبننا ليه!)، بالتصريح إياه، والشكل ما مهم المهم الاخلاق .. الخ الخ.


donderdag 3 oktober 2013


إستمرار الإنقاذ يعني زوال الحضارة وزوال السودان نفسه
إستمرار الإنقاذ يعني زوال الحضارة وزوال السودان نفسه



أحمد الملك

بعد مجزرة ضباط أبريل 1990 ذهبت في الخرطوم الى متجر لأحد أقربائي في سوق الخرطوم بحري، كان الرجل يشتكي من سوء الأوضاع وضيق العيش وتوقف حركة البيع والشراء في السوق، قلت له: (طيب ما تطلع الشارع)
نظر نحوي (شذرا) وقال: (شارع وين مع البارود دة!)

لم يتوقف البارود منذ أن إغتالت رصاصاتهم الآثمة مجموعة ضباط أبريل، لم يفرق رصاصهم بين من شارك ومن لم يشارك، كان زعيم المحاولة المفترض نفسه مسجونا في شالا، أحضروه ليشارك في حفة الموت الأخيرة. ومنذ تلك اللحظة، تفرغوا تماما لتأديب أهل هذا البلد وإرهابهم. لم يعدلوا بين الناس في شئ بمثلما فعلوا في نشر الموت والإرهاب. أنشأوا جهازا للأمن ونشروا ممارساته السيئة على الملأ حتى يتجذر الخوف حتى في نفوس من لم يمر بتجربة بيوت الأشباح. وفي معتقلاتهم السيئة السمعة، لم يتركوا موبقة لم يرتكبوها في حق معتقليهم. وكانت تلك أكبر مخالفة للخلق السوداني القويم الذي يعف عن الإساءة للمرأة وللشخص الأعزل، حتى الأطفال لم يسلموا من أذاهم.

نظرتهم لشعب السودان لم تحمل أبدا شيئا سوى الإحتقار، ولأن بعضهم نال حظا من التعليم على حساب الشعب السوداني، وحسب تربيتهم الفكرية التي تصوّر لهم إمتلاكهم وحدهم للحق والحقيقة، وأنهم وحدهم من يعرفون كيف يجب أن تسير أحوال الناس، فما داموا يتصرفون كمن يملك تفويضا إلهيا يعرّفهم بطريق الخلاص في الآخرة، فإن تسيير أمور الدنيا سيكون مثل اللعب. لم يشعروا ولا حتى بالخجل وهم يعلنون على رؤوس الأشهاد رغبتهم في إعادة صياغة الإنسان السوداني! كان ذلك قمة الإحتقار لأمة رائدة تقف فوق إرث حضارة عظيمة تمتد في عمق التاريخ. في كل مدننا وقرانا تجد أولئك الذين لم تتح لهم فرص التعليم النظامي، لكنهم يعلّمون الناس كل شئ بالسلوك القويم والقدوة الحسنة، متعلمون بالفطرة، تجري في دمائهم تلك الحضارة العظيمة التي علّموا بها العالم كله.

كان في قريتنا شخص أصيب بمرض نفسي، ورغم ذلك كنت تجده دائما يبعد الشوك من الطريق، ويحنو على الأطفال ويتعامل بأدب مع الجميع. ويساعد الناس في اعمالهم، ذات مرة سأله أحدهم : هل هناك في الدنيا أجمل من (مضاجعة) النساء؟ قالها بالطبع بصورة بذيئة. لم يرد عليه الرجل المريض، تشاغل بشئ في يده، أعاد السائل سؤاله بنفس الصيغة، فتجاهله الرجل، بعد المرة الثالثة، رد عليه بهدوء.

نعم يوجد ما هو أجمل من ذلك يا ولدي!
وما هو.
رد الرجل المريض: الأدب يا ولدي!
إنها الحضارة التي تجرى في دمائنا، تمنعنا من الاساءة لأي كان، تجعل الكبير يوقر الصغير والصغير يحترم الكبير. والجار يحمي بيت جاره وعرضه قبل بيته وعرضه.

حكى لي صديق جنوبي أنه حضر الى الخرطوم في سبعينات القرن المنصرم وهو مجرد شاب صغير لم يتجاوز الخامسة عشر، عمل في أحد المقاهي وحين تسلّم أول مرتب له، كاد يطير من الفرح فخمسة جنيهات كانت تساوي الكثير في ذلك الزمان(حتى الإنسان كان يساوي الكثير). ذهب فرحا الى وسط الخرطوم يحمل ثروته الصغيرة. وفي منطقة ميدان أبو جنزير وجد شخصين (من شذاذ الإفاق) عرضا عليه اللعب معهما، كانت لعبة قمار، ظن الصبي الصغير أنها ستكون مسلية وربما يكسب بعض المال الإضافي، لعب معهما وبسرعة خسر كل ما يملك. جلس أرضا بجانبهما يبكي فحضر شرطي (أيام كانت لدينا شرطة وخدمة مدنية) سأله الشرطي عما يبكيه، فحكى له الحكاية، أمسك الشرطي فورا بالرجلين وفتشهما فعثر على الخمسة جنيهات كما وصفها الصبي. أعادها للصبي وهدّد الرجلين بالسجن إن عادا للعب مع أية صبي صغير. قال لي الصديق الجنوبي: أمسكت بنقودي فرحا. وظننت أن الأمر إنتهى، لكن الشرطي بعد أن طرد الرجلين من المكان، عاد لي وصفعني في وجهي بقوة قائلا: هل حضرت هنا من اقصى الجنوب لتلعب القمار؟ ختم الصديق الجنوبي حكايته بقوله: اعاد لي حقي وقام بتأديبي حين أخطات.

تلك هي حضارتنا. لن تخلو من ممارسات شاذة، وذلك استثناء يثبت القاعدة، مثل من ينصب على على طفل أو ينصب على شعب كامل بدعوى إنقاذه وهو لا يبغي شيئا سوى نهب السلطة والثروة وإعادة صياغة الناس!

لم تحمل الانقاذ قيما في طي مشروعها، لكنها سعت لشغل الناس بحياتهم وإرهابهم ليخلو لها الجو ولا ينازعها أحد في سلطتها. اهدرت قيمة الحرية، ومن دون الحرية التي هي مثل الرأس الذي يفسد بفساده الجسد، ضاع كل شئ وتراجعت الأخلاق والقيم مع ثقافة جديدة تروج للفساد. الدين نفسه قائم على الحرية: فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.
حين يسقط النظام الاستبدادي سنستعيد قطعا حضارتنا. الانقاذ هي التي جاءت بالعنف الذي يدمّر الحضارات. فالإنقاذ يوما لم تنطلق من مشروع حضاري يعلي من أية قيم أو ينحاز لدولة القانون والعدالة التي تساوي بين الناس وذلك هو لب كل الأديان. إن كان الخروج للمطالبة بالحقوق يسمى عنفا في عرف الانقاذيين فبماذا نسمي ضرب المدينيين بالطائرات، ماذا نسمي إغتيال الشباب الأعزل في الشوارع من قبل ميليشيات نفس النظام؟ ماذا نسمي تجويع الناس وغمطهم حقوقهم وسرقة تلك الحقوق؟ ماذا نسمى تعذيب الناس في المعتقلات ؟ ماذا نسمي إغتصاب الحرائر؟
في إستمرار الانقاذ ليس فقط زوال الحضارة بل زوال السودان نفسه.

zondag 29 september 2013


لو كان لنظام الإنقاذ من شرعية لأسقطتها دماء الشهداء






النظام الانقاذي نظام جاء للحكم عن طريق إنقلاب عسكري قوّض نظاما ديمقراطيا منتخبا بإرادة حرة من الشعب. نفس إرادة الشعب التي يتباكى عليها الاخوان المسلمون في اسطنبول الآن، وكان حريا بهم إن كانوا ينطلقون في حديثهم من مبدأ أن يبدأوا بإدانة النظام الانقاذي غير الشرعي، الذي جاء على أنقاض نظام ديمقراطي وبعد إنتفاضة أسقط فيها شعبنا نظام المشير نميري . لكن منطق الاخوان معروف وهو التعامل بإنتهازية مع النظام الديمقراطي الذي لا يؤمنون به الا حين يأتي الصندوق بمنسوبيهم.

النظام الانقاذي فاقد للشرعية حتى لحظة سقوطه وتقديم رموزه للمحاكمة بتهمة تقويض النظام الديمقراطي وتعطيل القانون. والحقيقة أن القانون ظل معطلا في بلادنا منذ اللحظة التي أذاع فيها قائد الانقلاب العميد البشير بيانه المخادع الذي لو حوسب فقط بمقتضاه اليوم لكان كافيا لإدانته، نائب رأس النظام قال أن الدولة ستتعامل مع المتظاهرين بالقانون! يا للمهزلة! يريدنا أن نصدّق بكل بساطة أنه يوجد قانون! بل انه توجد دولة ترعى مواطنها وتضع مصلحته فوق كل إعتبار!.

أحد رموزهم اظنه معتمد امدرمان حاول أن يعطي الحكومة صفة الحادب على مصالح المواطن، الساهر على حمايته، فألقى بجريمة إغتيال المتظاهرين العزل على مسلحين! نفس عقلية النظام السوري الذي هو في أساسه مثل النظام السوداني مجموعة من البلطجية المسلحين والمدنيين ، أية طفل سوداني يعرف ان هؤلاء الشهداء قتلتهم الميليشيات التابعة لجهاز الأمن الانقاذي المجرم.
الشهداء الذين سقطوا بسلاح ميليشيات المؤتمر الوطني لن يذهب دمهم هدرا وسيحاسب هذا النظام بدءا من الربّاط الأكبر وحتى أصغر ربّاط فيه ،على كل قطرة دم أريقت في هذا الوطن من لحظة بيانهم الأول المشئوم وحتى سقوط النظام المحتوم.

طبيعي أن نظاما غير شرعي لم يجد المواطن السوداني منه على مدى ربع قرن سوى الإحتقار والقتل والتعذيب، سيحارب من أجل المكاسب التي جناها بالسرقة والسلطة التي يتمرغ في نعيمها بالقوة المطلقة، بأظافره وأسنانه. لكن المعركة الآن باتت واضحة. لا عدو لشعب السودان سوى هذا النظام المجرم. كل جريمة يرتكبها النظام، كل قطرة دم تراق، ستزيد من أوار النار التي ستحرقهم في يوم قريب، ولهم في معمر القذافي وغيره من الطغاة أسوة حسنة لو حسبوا أن القوة ستضمن بقائهم في السلطة الى الأبد.
عاش نضال شعبنا البطل، المجد لشهدائنا الأبرار والخزي والعار لحكومة القتل والجوع والدمار.

الوفاء لدماء الشهداء يحتّم إستمرارية الثورة





شباب في عمر الزهور قصفت أعمارهم آلة القتل الإنقاذية. بعضهم لم يكن قد جاء الى الحياة بعد حين دقت مارشات إنقلاب الموت والدمار. حين جاء الربّاطة الى الحكم، كان أطفال السودان يجدون الحد الأدنى من الرعاية الذي تفرضه القوانين والأعراف في الدول التي تحترم مواطنيها. فالدولة لم تنشأ عبثا بل لتكون في خدمة المواطن وهو الأصل. جاءت دولة الربّاطة المتأسلمة بمفهوم جديد ما أنزل الله به من سلطان: المواطن في خدمة الدولة! تطارده في رزقه ومعاشه بل وحتى في روحه، ترسله ليقاتل في حروبها العبثية التي لم تستهدف يوما وحدة التراب بل تقسيمه.

حين جاءت الإنقاذ لتنقذ الناس من الحياة، كان أطفال السودان يجدون الرعاية ويدرسون في المدارس مجانا، ويدخلون جامعة الخرطوم مجانا، فكسبت بلادنا عقولا أسهمت في رحلة التطور قبل أن تتلقفها المهاجر في سنوات تيه دولة الرباطة. كانت الدولة فقيرة ومواردها محدودة، لكنها لم تكن أبدا دولة سماسرة. كانت توجه جل إهتمامها نحو المشروعات الزراعية التي قام عليها إقتصاد هذا البلد منذ القدم. كان كل شئ يسير ببطء لكنه يسير الى الأمام وكان مجتمعنا يتعافى أيضا ببطء من مخلفات القبيلة والجهة والطائفة .ويسير بفضل وعي الأجيال الجديدة نحو الإنعتاق من قيودها الى فضاء المواطنة الرحب ودولة القانون.

لكن الربّاطة الذين لا تنتعش أوهامهم الا في الظلام، وثبوا الى الحكم بالخديعة، وسعوا منذ اللحظة الأولى لتدمير كل شئ. فأعادونا الى ما وراء الصفر، الى عقلية القبيلة وأشرعوا سيوفهم في مواجهة كل تيار للوعي. وبدلا من مؤسسات المجتمع المدني الحديثة التي سعوا الى تحطيمها، والتي تحمي حقوق المواطن وتسهم في توعيته، أعادونا الى حضن القبيلة. لم يكن لهم من هم منذ لحظة مجيئهم المشئوم سوى أن يحافظوا على الكرسي حتى وإن ذهب وطننا الى الجحيم، وتفرقنا أيدي سبأ. وحين تنامت موارد الدولة لم يوجهوا المال لتنمية العقول وخدمة الأجيال الجديدة التي ستحمل أمانة الوطن. وجهوا كل مورد الى شراء البنادق التي يوجهونها الى صدورنا، وإستشمروا بقية المال في حياتهم الدنيا، الدنيئة.

الشهيد هزاع ورفاقه لم تقدم لهم الانقاذ شيئا ، لا مؤسسات تعليمية محترمة ولا خدمات صحية وعلاجية. هؤلاء الشباب الواعد الذين هم عماد المستقبل وعماد الدول المحترمة التي تمضي في مسيرة تطورها بفضل عقول وسواعد أبنائها. لم تقدم لهم حكومة الربّاطة سوى الإهمال و الموت.

دماء هؤلاء الشهداء تفرض علينا أن نواصل المسيرة حتى نقتلع الربّاطة من أرض السودان، لنعيد شعلة الأمل التي إنطفأت، الى أجيالنا والى وطننا.

zondag 8 september 2013


إجتماع هام جدا مع السيد الرئيس!



كنا نجلس أمام المسيد بعد صلاة العصر، كان موسم الدميرة قد إقترب وإنشغل أهل القرية بإصلاح سقوف البيوت وتدعيمها بزبل البهائم خوفا من إحتمال هطول المطر. توقفت عربة بوكس قديمة وهبط منها فارس مرتديا ملابس الشرطة الشعبية.
ضحك النور حين رآه بملابس الشرطة الشعبية وقال: نحن راجينك بالكرامة ترجع وزير، تجينا عسكري وفي العساكر كمان شرطة شعبية!
قال فارس: مشيت الخرطوم قابلت الريس! كان عندي معاه إجتماع مهم جدا، شرحت ليه الوضع كله!
- وعشان قابلت الريس لابس كدة؟ الريس سمعنا قالو فاضي ما عنده شغلة كتيرة، لكن ما قايلين فاضي لدرجة يقابلك انت كمان! واتكلمت معاه في شنو؟
كان عندي اجتماع مهم مع الريس، اتناقشنا في الحاصل في البلد وفي الوضع الراهن زي ما بيقولو في الأخبار!.
ضحك النور: وانت هسع عارف الحاصل في البلد ولا عندك خبر الوضع الراهن؟
وقال حاج سعيد: خليك منو التليفة، ريسك ذاته عارف الحاصل؟
علّق صلاح الجاز: والريس فاضي ليك وين، قالو لو داير بس يسالم مساعدينه اليوم يروح قبل يسالمهم كلهم!
تساءل سليمان: قعدت في اجتماع معاه، يعني راسك في راسو عديل واتكلمتو؟
- في الحقيقة بس انا سلمت عليه هو كان مستعجل شوية قال لي انا ماشي ابوجا وجايي!
يا زول طيب ما كان ترجاه لأن قالو وكت رجع من سفريته الجماعة الودعوه كانوا لسة في المطار!
قال سليمان الاعرج: قالو قبل يغير هدومه في الفندق سمع ان اوكامبو في البلد، رقد صوف على المطار!
ضحك شيخ النور وقال: فعلا قالو محل ما يسافر يقول لي الجماعة خلو الطيارة مدورة ما تبطلوها، لأن الظروف ما معروفة!
علّق صلاح الجاز: وين الصور ؟ دايما الريس وكت يسالم زول بيجيبوا الصور في الجرايد والتلفزيون!
جلس فارس أرضا معهم على حصير السعف وقال: في الحقيقة كان في زحمة شوية وما ظهر مصوراتي، الريس طلع سأل الجماعة وين ناس التلفزيون قالو ليه في طيّارة وقعت في المطار مشوا يصوروها!
ضحك سليمان الأعرج: يعني التلفزيون عندهم بس فد كاميرا! وكت تكضب ما تقول حاجة يصدقوها! نحن دايرين الصورة، غير كدة انت كضّاب وتكون قابلت ليك ضابط بشريط واحد والجماعة غشوك قالوا ليك دة ياهو الريس!
أعلن فارس : الحقيقة انا ما قدرت اصافحه لكن سالمته من بعيد شوية!
قهقهه شيخ النور عاليا: يا زول انت مالك كل شوية تبعد، بعد شوية حيبقى تليفون، والتليفون حيبقى مس كول ، وفي النهاية الظاهر انت شفت الزول دة في المنام!
منام ايه؟ حرم الزول دة قاعد في نفس محل حاج سعيد دة وانا قاعد هنا.
نعل ما خبطك الكف الزول قالو خلقه ضايق بي موضوع اوكامبو!
يا زول اعمل حسابك انت ما عارف الاسم دة ممكن يوديك التوج!.
ضحك النور وقال: توج اكتر من النحن فيه دة؟ حرم جهنم تكون رحمة جنب زمن زولك السالمته من بعيد دة! أهو هسع نحن طالعين من موسم بدون حمص، قبل زولك دة يجي الحكم زي اليومين ديل نحن في أمان الله مستورين وزريبتنا مليانة بهائم، ولو مرضت تمشي المستشفى انشاء الله ترقد سنة مافي زول يقول ليك أدفع حاجة، لا في كضب ولا استهبال كل زول في حاله، والدنيا رايقة وأمان ، عسكري واحد قاعد في النقطة وكت عدم الشغلة مشى زرع ليه حواشة. كنا مستورين وكل زول مواصل أرحامه، ويكرم جاره، وعرض الجار ياهو عرضك. جو ناس لا تبديل لشرع الله قرّبو يمرقونا من الملة! بقينا زي يوم القيامة كل زول مهموم بحاله ما عليه لا بي جار لا بي قريب.
بعد فترة صمت، تساءل صلاح الجاز: وما حكيت لينا البوكس دة جبته من وين؟
البوكس دة في الحقيقة أنا صادرته!
صادرته كيف؟ انت سويت ليك جمارك براك ولا ايه!
الجماعة ديل وكت رجعت قلت ليهم انت وعدتوني تسووني مدير او وزير وانا جيت حسب الاتفاق!.
دخلو ومرقو، وفي النهاية جاني واحد قال لي: اسمع انت مش متدرب دفاع شعبي؟
كضبت قلت ليهم ايوة! وعندي كمان شهادة مجاهد في الجنوب!
قاطعه النور: والشهادة دي بيجيبوها من وين؟ اوع تقول لي بتنزل من فو ق ولا حاجة!
أها قالو لي خلاص، بنشغلك فترة منسق مع الشرطة الشعبية عشان يكون عندك خبرة كويسة في الادارة، وبعد داك ممكن تستلم وظيفتك.
قال سليمان: يعني انت هسع بقيت شرطة شعبية؟ ومنسق دي كلام نهائي ولا بعد شوية حتقول نائب منسق وبعد شوية عسكري!
قال صلاح الجاز: انا في الحقيقة ما فاهم يعني في شرطة افرنجي وشرطة شعبي ولا كيف؟ ودة شرطة ولا سوق دة؟!
انتفخ فارس وقال: زي الدفاع الشعبي ما بيساعد الجيش نحن كمان بنساعد الشرطة!.
ضحك النور وقال: سجمهم كلهم. والشرطة الانتو بتساعدوها مهمتها شنو يعني؟
قال فارس: مهمتها حماية المواطن!
ضحك شيخ النور وقال: يا زول دي الا تكون شرطة جديدة غير البنعرفها. الشرطة والامن في حكومتك دي مهمتهم حماية الكيزان من الشعب!
وقال صلاح الجاز: يوم الاحداث الحصلت بعد وفاة جون قرنق، انا كنت ماشي السفارة السعودية جيت ماري جنب مواطنين بيحرقوا في عربات والبوليس واقف يتفرج فوقهم التقول البيحصل دة شئ ما بيخصهم، قرّبت من واحد فيهم وقلت ليه الحاصل شنو انتو ما شايفين الناس دي بتعمل شنو؟ قال لي عندنا تعليمات ما نتدخل!
علّق سليمان: الكيزان قصدوا يعملوا فتنة بين الناس عشان يفصلوا الجنوب!
قال حاج سعيد: ودة الشئ الوحيد النجحوا فيه! سبحان الله ناس ما تنجح الا في الخراب ودمار البلد وبعد دة يقولو ليك لو ما جينا كان البلد راحت!
اها والبوكس صادرته من وين؟
قبضت لي جماعة شايلين مخدرات وصادرت المعروضات ومعاها البوكس!
قال صلاح الجاز: أنت الظاهر استلمت الشغل وطوالي لقيت الرزق راجيك!
وعلّق سليمان : عرفنا تقبض لكن تصادر كيف انت بقيت قاضي كمان ولا دي العدالة الناجزة ، دقة سريعة!
والبوكس دة هسع انت صادرته للحكومة ولا لي رقبتك؟
قال فارس: وانا والحكومة شنو؟ ما الحالة واحدة!
- أها والمخدرات برضو الحالة واحدة وديتها البيت؟
سلمتها البوليس حيحرقوها!
يا زول متأكد سلمتها ولا تكون بدلتها بورق شجر لغاية ما الدنيا تروق وتبيعها !
قال سليمان الاعرج: طلبة كتار قالو بسبب ضيق المعيشة ومشاكل الحياة بقوا مدمنين للمخدرات.
قال شيخ النور: الطلبة هم اكتر ناس قلبهم على البلد وبيطلعوا المظاهرات عشان كدة بيحاولوا يدمروهم بالمخدرات. زي ما شغلوا الناس الكبار بمشاكل المعيشة والغلاء.
سليمان: سبحان الله اي حكومة في الدنيا شغالة تساعد مواطنيها الا حكومتنا السجم يصحوا من الصباح يمشوا مكاتبهم وشغلهم كله كيف يأدبونا وكيف يخلونا مافي زول يرفع راسه!.
لم يظهر فارس رغم منصبه الرسمي الجديد إهتماما بالشتائم التي إنهالت على الحكومة، بصق السعوط من فمه وقال:
أها يا النور، زي ما وعدتكم بقيت مسعول كبير، وين الكرامة؟
قال النور: والله فعلا بقيت مسعول كبير مادام بديت بالمصادرة. وهسع محل شغلك حيكون وين؟ والا تكون مطلوق كدة ساكت لامن تلقى ليك بيت تصادره وتعمله مكتب!؟
يا زول انا منسق يعني بكون مسئول من الشرطة الشعبية في المنطقة دي كلها!
علّق النور: شغلكم الميت دة، فلان سكران وعلانة ما غاتة شعرها، دايرلو كمان تنسيق!
رد فارس بسرعة: يا حاج ما تخلط بين نظام عام وشرطة شعبية. ولو ان نحن برضه ممكن نشوف الحاجات دي!
قال صلاح الجاز: خلاص بالله وكت تصادر ليك حاجة تاني ما تنسانا من صالح المعروضات، بس ركز لينا على المعروضات الحلال!
ضحك النور وقال: خلاص نوفر العتود لامن يبقى وزير، ونرجاه يمكن المرة الجاية يصادر ليه بهائم ولا أبقار مهربة!

صمت الحياة في الشتاء


صمت الحياة في الشتاء



بعد صلاة العشاء جلسنا في باحة المسيد، كان الشتاء قد إنصرم وإنشغل معظم الناس بجمع محاصيلهم وتخزينها أو تسليمها للبنوك. كان بعض الصبية يلعبون شليل في ضوء القمر في الساحة الملاصقة للمسيد. تخفف أصوات صراخهم وضحكهم أثناء اللعب من الكآبة التي تخيم على العالم، كأنهم يعلنون نهاية صمت وخمول الحياة في الشتاء، حيث ينشغل الجميع بالموسم الزراعي، وإستعادة صخبها مع هبوب أول خماسين الصيف.
كان الجميع يشعرون بالإرهاق بعد نهاية موسم زراعي ملئ بالمشاكل. بدت الحياة نفسها بالنسبة لهم مثل دورة لا تنتهي من الشقاء والمصاعب الموسمية.
قال شيخ النور: إنشاء الله التعب دة يجيب مديدة تامزين. بدل التعب البلا عائد دة أريت كان نمنا نومنا. بدل يبقى علينا فلس وكمان تعب ومرض! شغالين خدامين للبنوك نتعب ونساهر وفي النهاية ندي المحصول كله للبنك ونرسل لي ناس السعودية يرسلوا لينا عشان نشتري القمح!
رد حاج سعيد: والله كلامك صحي، زمان ولدي وكت ظروفه كانت كويسة في السعودية كان بيقول لي ما تزرع ، وكان بيسألني لو زرعت بتجيب كم شوال؟ ويرسل لي تمنها!
قال شيخ النور كأنه يتحدث مع نفسه: البرد ذاته راح في زمن حكومة الفقر، بسبب الحر الفول إنضرب بالعسلة، كان أملنا السنة دي يعوضنا شوية!.
قال سليمان الاعرج: ولو البرد جة، يجيب معاه الجراد.

عقّب شيخ النور: والله لو بلقى طريقة اغتراب ما أتردد، يا اخوانا ما بنفع انشاء الله أبقى غفير ولا راعي بهائم!
ضحك سليمان الاعرج وقال: قبل كم سنة، قبل ما الانقاذ تدخل العضم، جاني جواب من الخزين ود عمي عثمان، قال لي في سعودي بيفتش على عمال يسافروا يشتغلوا معاه لو دايرين تسافروا تعالو قابلوه يمكن يكون عندكم رزق وياخدكم معه.
سافروا الشباب كلهم أولنا طبعا سيد الاسم فارس، السنة ديك كان زرع أول مرة في حياته، وقبل ما يخلص من أول سقاية للمحصول شرد وسافر رجع في آخر الموسم وكمان بوشه القوي قال داير نصيبه من المحصول! الطاهر قال ليه : لو جبت لي تلاتة شهود إن عندك حق في المحصول دة بديك أكتر من حقك! فارس طبعا ما بيحب الشغل خاصة حش البرسيم، كان طوالي يقول البرسيم يعمل ليه حساسية! قال جسمه كله يورم لو دخل جوة البرسيم، هو طبعا ما داير يساعد عمه الزين، الزين كان الوكت داك عنده برسيم كتير ويشحت الناس يساعدوه في الحش، وكت زهج من فارس قال ليه : أول مرة أسمع بي زول عنده حساسية من البرسيم، وانت طيب لو كان بقيت حمار كان بتاكل شنو؟ ! والا يربطوك في الحلفا؟
فارس قال لي الزين يبيع البرسيم ويكب القروش في جيبه، وما يتذكرنا تاني إلا وكت يجي ميعاد الحش، عشان كدة انا كرهت سيرة البرسيم! بقت تجيب لي حساسية!
مشينا الخرطوم قابلنا السعودي، راجل شكله طيب، قعدنا معاه في الاستقبال بتاع الفندق..
قاطعه النور: ما شاء الله يا سليمان مشيت الخرطوم ودخلت الفنادق كمان! كان داير تبقى معارضة ولا شنو؟
تساءل حاج سعيد: معارضة شنو في الفندق؟
ضحك النور وقال: ما دايما الكيزان يقولو على المعارضين معارضة الفنادق! التقول هم الحرامية قاعدين في السهلة، يرسلوا الشفع الصغار يحاربو ليهم وهم عايشين في قصورهم عيشة الأمراء والملوك!
واصل سليمان: أها الراجل السعودي قال لينا أنا محتاج لناس يشتغلوا كويس واقدر اعتمد عليهم لأن عندي مزرعة كبيرة جايب فيها أبقار وجمال وبهائم.
قبل ما يكمل كلامه نط ليه فارس في حلقه وسأله: طبيعة الشغل الحنعملو شنو؟
الراجل قال ليه: حش برسيم!
فارس طوالي وقف وقال: والله البرسيم دة الجابنا هنا من البلد!
أها مشوا معاه اظن خمسة، منهم الطيب ود حاج سعيد، قالو هسع سوا ليه عقال وبقى ينضم زي سياد البلد يقول للعربية وانيت وللراجل ريّال، يا هو الدنيا وحالها! المسكين عرف كلامنا الميت دة ما بيأكل عيش!
ضحك النور وقال : وأنت ليه ما مشيت يا سليمان؟
قال سليمان: والله انا برضو كنت فاكر الشغل يكون خفيف شوية، يدوني كنبة أقعد أحرس لي باب، أراقب لي عمّال، لكن حش برسيم مع كراعي دي ما بينفع!
حدّق شيخ النور في القمر وتساءل: صاحبك مالو طوّل في الخرطوم المرة دي؟
ضحك سليمان وقال: قال ما بيرجع الا يبقى وزير! لكن بعد دة بيرجع، ما دام الموسم إنتهى بيرجع. الزين بداية الشتاء قال ليه تعال ازرع معاي السنة دي، قال للزين انا ماشي الدهب ما عندي نية زراعة تاني. تقول بلحيل كان ناجح في الزراعة. الكيزان غشوه وكت قال داير ينزل الانتخابات قالوا ليه إتنازل وحنعينك مدير لشركة، بدل يقبض ليه قرشين ويخلع! طمع، قال يمسك الشركة يلبع ليه لبعة كبيرة ويتقاعد بعدها، قال لي الكيزان نهبوا البلد دي فرصتنا نرجع شوية من النهبوه! قبل بكلامهم لكن الجماعة أولاد كلب، مرقوه من الاتنين!
هسع قبل يسافر كتب ليه عريضة قال يوديها الخرطوم لرئاسة المؤتمر الوطني، كتب قال ليهم الجماعة هنا نهبو البلد، وخلوا الناس كرهوا الدين ذاته بعمايلهم. لدرجة في جزار في السوق اليوم كله يكورك: لو الناس ديل طاروا وجانا حزب بيقول لا تبديل لشرع الله، حرّم ساطوري دة ما ياباه! بعدين هو يمشي يشتكي الخرطوم لي مين؟ تقول ناس الخرطوم بلحيل كويسين، والشغلة هي أصلا خربانة من فوق!
قال النور: لو كدة وجب نجهز لينا عتود للكرامة، يمكن الزول دة يرجع وزير زي ما قال!
قال حاج سعيد: عتود ولا تور؟
قال النور: عتود كفاية، فارس كضّاب حيجي يقول عملوني وزير عشان نضبح وياكل اللحم، وبعد داك يقول بدل يختوا اسمي عملوا غلط عينوا زول تاني لكن حيدخلوني في أقرب تعديل وزاري!

zondag 25 augustus 2013


حين رأينا أشجار النخيل تموت!



الليل عاد والشوق زاد، اذكر جدتي بملابسها البيضاء جالسة في غرفة جانبية يملأها ضوء الصباح المتسرب من النوافذ الكبيرة، وتعبق برائحة الحقول، رائحة خبز القراصة ورائحة القهوة الطازجة بالجنزبيل، عبر الزمن يبدو ايقاع الحياة مختلفا، خاملا، يبدو الزمن مرئيا، شفافا، مخلوطا بالضوء، ورائحة النوار، نوار النيم ونوار الليمون ونوار المانجو، صوت الكابلي الذي يتسرب مثل الحلم عبر الازمنة، يتردد في موجات ضوئية تغمر غرف البيت وفنائه الواسع المفروش بالرمل الاحمر ، تصطدم بالغرباء الذين يعبرون فناء البيت حاملين امتعتهم القليلة.
في الخارج في المضيفة التي تحيط بها اشجار النيم واشجار الاركويت، أري العم علي الخبير جالسا يفترش الارض بجوال الملابس التي يعرضها للبيع، سراويل من قماش الدبلان، وجلاليب من قماش التترون، يتوقف دائما هناك ويخلد للنوم بمجرد ان يطأ جسده الارض، يبقي في انتظار ان تمر سيارة عابرة، ايا كان اتجاهها فهو علي استعداد ليستقلها، لديه مشاوير مؤجلة شمالا وجنوبا، يستغل اصحاب السيارات غفوته وينطلقون .
اذكر ان الوالد لم يكن يحبه، لم تكن لديه معه مشكلة ما، كان يراه فضوليا يقتحم البيوت دون احم او دستور، مرة كان معنا عمال يحفرون بئرا ارتوازية وسبّب وجودهم هلعا تنظيميا في البيت، سعيدة عمر الرمالية تعوس الكسرة وزينب دكر تجلب الوقود، ووالدتي تعد الملاح، ونحن نساعد في كل شئ، في خضم الزحام جاء من يقول ان علي الخبير في الخارج، كان الوالد يبحث في تلك اللحظة عن فكة جنيه ليدفع عشرين قرشا لاعرابي احضر ثلاثة امتار من الخشب، حين سمع ان علي الخبير في الخارج اعلن علي الفور : ساذهب لاطرده !.
ذهبنا من خلفه لنتفرج علي المشاجرة، لكننا وجدنا الوالد يجلس معه فيما عم علي يحسب فكة الجنية : ستين ، خمسة وستين، سبعين، خمسة وسبعين، وقال الوالد حين رآنا : اجروا جيبوا الفطور .!
كانت تلك بداية صداقة بينهما لم تعمر طويلا بسبب وفاة العم علي المفاجئة ، بسبب عشقه الازلي للسيارات، وفي النهاية صدمته سيارة كومر قديمة خالية من الفرامل .
كنا نتحلق حول العم علي في انتظار ان تمر سيارة، يحاكي اصوات الحيوانات، ويحكي قصة الضفدعة الصغيرة التي تنادي امها بلهجة الضفادع: يمة شيليني !
فتقول الام ، شايلة ابوك ! فيقول الصغير الماكر : فوق راي !
جمال المزارع الشاب الذي كان يطمح لتغيير حياته، يبيع الخضروات التي يزرعها للعابرين وللغجر، وفي النهاية افلست تجارته فقد احب احدي بنات الغجر، وبسبب ضعف قلبه تم استنزافه اقتصاديا ، فكان يبيع لهم الجرجير والملوخية دون مقابل او يحصل علي مقابل عاطفي لا يمكن احصائه مثل النقود .

في عطلة الصيف نتوزع لرعاية البهائم، كان لدينا بقرتين وعدد من الاغنام والضأن، تحتاج المزرعة لجهد كبير لسقي اشجار النخيل، منذ مطلع الثمانينات ظهرت موجة الجفاف التي ادت الي تراجع منسوب المياه الجوفية، فبدأت اشجار النخيل تجف، كانت تلك علامة سيئة، فمحصول التمر هو الشئ الوحيد الذي يحصل عليه الناس هنا دون تكلفة، بينما تكلفة الانتاج الزراعي عموما عالية جدا، فعلي المزارع ان يحرث الارض ويجهزها، وعليه تركيب طلمبة تسحب الماء من بئر عميقة يجب تنظيفها سنويا وعملية التنظيف مكلّفة يقوم بها مختصون، كذلك لابد من استخدام محرك ديزل لسحب الماء، قطع غيار المحركات غالية ويستهلك المحرك الكثير من الوقود، حين بدأت اشجار النخيل تجف، قام قليل من المزارعين بمحاولة سقيها او زراعة علف تحتها في موسم الصيف الحار، لكن الاكثرية تركوها تواجه مصيرها المحتوم، وفي السنوات الاخيرة كان محزنا ان نري مشهد الاف الاشجار وهي تجف وتموت واقفة او تسقط بسبب الرياح، الغريب ان ما حدث لاشجار النخيل، تكرر بنفس الطريقة المأساوية علي الناس في المنطقة عموما، اعتاد الناس هنا ان يعيشوا في هدوء يزرعون ما يكفيهم ويساعدهم انتاج النخيل، يربون الضأن والماعز للاستفادة من اللبن وللطوارئ لبيعها ان استدعت ظروف للسفر، لدي وفاة قريب عزيز بعيد عنهم او زواج قريب عزيز ايضا في الخرطوم او اي مدينة اخري، او كمصروفات للأولاد الذين يقبلون في مدارس بعيدة، لم يكونوا يقلقون من مرض احدهم فالدولة كانت تدفع تكلفة العلاج وتعليم الاطفال. منذ مطلع التسعينات القرن المنصرم، تبدلت الاحوال وعاني الناس العوز الشديد للمرة الاولي، بعضهم سحب اطفاله من المدارس بعد ان اصبحت مجرد شركات تعرض لضاعتها لمن يستطيع اليها سبيلا، واصبح العلاج مكلفا، ورفع الدعم عن الوقود وكل السلع ، قبع الكثيرون داخل بيوتهم، حتي لا يستجدوا الناس وماتوا واقفين مثلهم مثل اشجار النخيل، انه زمن الكذب والخداع والفساد، زمن الانقاذ الأغبر! .
الطاهر العاشق للموسيقي خاصة موسيقي الطمبور والمغنيين الشوايقة، خاصة النعام ادم الذي كان يحتفظ له بود خاص وحتي لا يسرق احدهم شرائط الكاسيت التي تحوي اغنياته كان يقوم بدفنها ارضا، كنا نقول له ان التراب سيتلف الشرائط، لكنه كان يصر علي ان تلك الطريقة الوحيدة المضمونة لحفظها .
عوض عثمان يتحلق حوله الناس في ايام وليالي الصيف يحكي مقالبه وحكاياته
ذات مرة كان الناس يسمرون في حلقات حول اشجار النيم حين سمعوا فجأة صوت نهيق حمار الحاج عبدالله المميز وفي لحظات ولي الجميع الادبار واختفوا داخل نبات الذرة، كان الحاج عبد الله عليه رحمة الله رجلا من افاضل الناس، كان يتولي القيام بالاعمال الخيرية، بناء المدارس والمستشفيات والمراكز الصحية، ولأن عين الحكومات كانت دائما بصيرة في تقديم الخدمات ويدها قصيرة وان كانت دائما طويلة فيما يختص بملاحقة الناس وقطع ارزاقهم، كان الحاج عبدالله يعتمد في الخدمات التي يقدمها علي المساعدات القليلة التي يحصل عليها من الناس او من المغتربين خارج الوطن .
وقد حكي لي مرة انه ذهب في زيارة للسعودية للحصول علي دعم من المغتربين وكان انذاك يقوم بالعمل في انجاز مشروع مستشفي ، كان المغتربين قد فاض بهم الكيل من مشروع المستشفي الذي استغرق زمنا طويلا ولم يتم افتتاحه بعد، لم يكن لديهم علم ان المستشفي كان قد تم افتتاحه قبل فترة قصيرة من زيارة الحاج لهم.

وفي الاجتماع الذي ضم الوفد مع المغتربين وقف احدهم وقال :
نريد ان نعرف متي يتم افتتاح هذا المستشفي؟
قال الحاج للسائل واسمه عبدالله:
اهنئك يا عبدالله لقد تم افتتاح المستشفي وجاء والدك وامك ورقدا فيه ستاشر يوما وخرجا !

سكت عبدالله علي الفور ولم يتكلم مرة اخري .
نهض اخر وقال : لماذا احضرت في وفدك صلاح هذا رغم ان الجميع يعرفون انك تختلف معه وان بينكما مشاكل .

قال الحاج عبدالله :
صلاح لم يدخل معنا موضوع المستشفي فلم يأكل شيئا من طرفه، فشال حالنا في كل مكان، جبناه معنا ليأكل شيئا ويمسك خشمه !

فمسك الجميع خشومهم وان لم يستطيعوا الامساك بجيوبهم، ودفعوا !

نعود لعوض عثمان ، حين سمع الناس صوت حمار الحاج لاذوا بالفرار خوفا من اجبارهم دفع التبرعات بسبب ضيق ذات اليد، وجد عوض عمه الحسن وكان ضريرا فاشار له ليجري علي اتجاه حدده له، كان هو نفس الاتجاه الذي سيأتي منه الحاج .
فيما كان الرجل الضرير يجري استوقفه شخص ما وساله لماذا يجري .
قال الرجل الضرير : الحاج عبدالله ما جننا كرّهنا العيشة .
قال السائل : انا حاج عبدالله !
فقال الرجل الضرير : الرجل الطيب !.

عوض عثمان اشتهر بمقالبه وذات مرة وكان لا يزال صبيا ايقظه والده في الرابعة صباحا ليحلب البقرة وكان معهم ضيوف
استيقظ عوض منزعجا وقال :
يا ابوي الدنيا لسع بدري والبقرة ذاتها لسة نايمة !
تراجع الاب مصدقا ان البقرة قد تكون نائمة ولا داعي لازعاجها بهذا الامر غير الهام !
حكي لي الحاج عبدالله انه بعد ان قامت حكومة نميري بحل الادارة الاهلية وعينت بعض الاعيان كقضاة شعبيين انه تم تعيينه كرئيس للمحكمة الشعبية وفي اول قضية يفصل فيها، كانت الشاكية امرأة دهشت حين وجدته يجلس في مقعد رئيس المحكمة وكانت تعرفه ويبدو انها لم تكن تسمع جهاز الراديو فلم تسمع بحل الادارات الاهلية .
قالت له هل اصبحت القاضي ؟
فقال نعم .
قالت له : مكان الشيخ الزبير ؟!
فقال نعم
قالت له : سبحان الله !
وسكتت قليلا قبل ان تردف برطانة الدناقلة وهو يجلس مستمعا لها :
البحر لامن يبقي خسيس الحمار كمان بيخوضو !


حكي لي حاج عبدالله انه حضر احتفال استقبال اول والي يعين في الولاية وحضر الحفل احد رموز الانقاذ، طلب الحاج ان يشارك بكلمة وحين جاء دوره قال : زمان كان لامن دايرين يشتمونا يقولون لنا : الهي ما تلقي الوالي : الحمدلله هسع واشار للوالي : لقينا الوالي !
قال ان الرمز الانقاذي سأله من اين تعلمت هذه الفصاحة يا حاج؟
فقال له : انا في العمل العام اكثر من خمس وخمسين سنة وماجيت ناطي فيه بعكاز ذيك !

ذات مرة كنت في السوق سوق مدينة السير، كانت السنوات قد مرت وعملت معلما في مدرسته الثانوية، سمعت في السوق ان رجلا من القرية ينتمي لجماعة انصار السنة المحمدية معتقل عند جهاز الامن وانه يتعرض للتعذيب هناك، بعد عودتي من السوق ذهبت للمدرسة فوجدته يجلس امام بيته تحت ظلال شجرة المسكيت، قلت له بصفتك رئيسا للجنة الشعبية للقرية هل ذهبت تسأل عن اسباب اعتقال الرجل، فقال لي ببساطة اسأل عنو هو انا الرميتو !

قلت له كيف ؟
قال لي انه حدثت مشاجرة في المقابر، حين لام مواطن من حزب الحكومة مواطن من جماعة انصار السنة لانه لم يقدم له واجب العزاء في ابنه الشهيد وكانت هناك مشاكل واحتكاكات بين انصار السنة والكيزان، فرد عليه انصار السنة بجفاء : القال ليك هو شهيد منو ؟
تدخل الحاج لتهدئة الموقف باعتباره كبير البلد لكن انصار السنة المنفعل لم يعره اهتماما، او احتراما فكانت النتيجة انه وجد نفسه بعد يومين يواجه العذاب الدنيوي في جهاز الامن !
قلت له يا حاج انت مالك ومال مشاكل الجبهجية وانصار السنة ، خليك في حالك بعدين انت ذاتك ما عندك مشكلة مع اي زول لكن انا شايف ان استاذ عثمان (وهو احد الرموز الكيزانية في القرية) دافرك في الكلام دة، وختمت قولي : الكوز دة قاعد يلعب بيك!
اغضبه كلامي فقاطعني : صلي علي النبي يا خينا ، والله ابوه ما يلعب بي !
حاولت ان اتحادث معه لحل موضوع الشخص المعتقل لكنه لم يصغ لي ، فذهبت لاستاذ عثمان سكرتير اللجنة الشعبية : قلت له هل لديك علم ان الحاج ابلغ رجال الامن عن هذا الرجل المعتقل باسم اللجنة الشعبية، انكر علمه وقال لي انه سيستوضح منه الامر.
في اليوم التالي ابلغني انه سأل الحاج وقد انكر الحاج انه قال لي ذلك بل حلف بالطلاق !
بعد الظهر جئت للمدرسة، كنا نقوم بدورة تقوية صيفية للطلاب وجدته يجلس امام البيت في ظلال شجرة المسكيت حين رآني من علي البعد قال لي : اها جايي تتم البديتو !
قلت له وانا امضي في طريقي للمدرسة : والله انا ما عارف لكن واشرت الي بيته حأرسل لي اهل المرة دي يجوا يسوقوها !
تركته يضحك وفي اليوم التالي عرفت باطلاق سراح الشخص المعتقل .
جمال رزق الله معلم البناء الماهر والفنان، يملك موهبة فطرية في عمله، لم يقرأ فنونا او يتعلم شيئا سوي كما حكي لي دروس المدرسة التي لم يكن فيها سوي مدرس واحد كان يعطيهم دروس اللغة العربية برطانة الدناقلة!
وذات مرة في حصة التربية الاسلامية سألهم بصوت جهوري وبلغة عربية فصيحة : متي توفي النبي صلي عليه وسلّم؟
تمت ترجمة السؤال في البداية الي الاندادي ( رطانة الدناقلة) فنهض طالب كان يعاني بعض التخلف العقلي وصرخ :
لا حول ولا قوة الا بالله، النبي تي ديكو ؟
وترجمتها : لا اله الا الله هل توفي النبي (ص) ؟

ويبدو انه لم يسمع بذلك، كان عاشقا للزلابية وفي طريقه للمدرسة علي الحمار كان يشعر بالتعب احيانا من ثقل الاشياء التي يحملها: الطبق الضخم الذي يحمل فيه القراصة والزلابية اضافة لخرتاية الكتب، ولكي يتمكن من مواصلة المشوار كان يتعين عليه التخلص من بعض ما يحمل، كان يتخذ القرار دون تردد فيلقي بخرطاية الكتب ارضا ! والمؤكد انه لدي عودته كان يجدها في نفس المكان فليس هناك كائن يرغب في سرقة كراساته المليئة بعبارات اعد وقابلني والرجاء احضار ولي امرك! والواقع انه فعل ذلك مرة واحدة واحضر ولي امره، وكان خاله، حضر شخص ضخم الجثة يتطاير الشرر من عيونه ويتأبط عصا ضخمة من النوع الذي ينتهي بكعكة في اخره، حتي ان المدير اضطر للاعتذار له ! .
حكي لي جمال ان المدير كان يحضر احيانا خاصة في يوم الخميس سكرانا دون رغبة في الدخول للمدرسة، كان يجلس فوق حماره بجانب جدار المدرسة وينادي علي احد الطلاب : يا ولد دق الجرس.
وحين يصطف الطلاب في الطابور ، يدير هو الطابور من فوق حماره : صفا .. انتباه.. صفا .. انتباه. الي الفصل دور ، ثم يعلن وهو يضرب حمار مغادرا: اذا تأخرت في السوق دقوا الجرس وروحوا !
كان في الفصل صبيين ابناء عمومة رمضان وحسين جدهما اسمه ابوشوك، رمضان كان ضئيل الجسم فاسماه الاستاذ: ابوشوك كنة اي ابوشوك الصغير وكلمة كنة بالرطانة ربما افضل كلمة لترجمتها هي قلّيّل بتشديد اللام والياء !، وحسين كان ضخما فاسماه المدرس أبوشوك دول! اي ابو شوك الكبير او المانع . وكان التلميذان كنة ودول يجلسان دائما في الصف الاخير بجوار بعضهما، حيث يعمل التلميذ دول في اوقات فراغه كحارس شخصي لابن عمه التلميذ كنة والذي بسبب صغر حجمه يتعرض احيانا لمضايقة فتوات المدرسة من الطلاب الذين نسيهم اهلهم في المدارس او اصبحت المدرسة لهم مجرد برنامج يومي أبدي .
في حصة الحساب اثناء العذاب الازلي المسمي جدول الضرب اعلن الاستاذ : كم حاصل ضرب
ستة في سبعة؟
ثم نادي علي الطالب الذي يجب ان يجاوب علي السؤال : ابوشوك دول، فقال ابوشوك دول بصوت ضخم : 16 !
فنادي الاستاذ : ابوشوك كنة !
فرد بصوت رفيع مثل صوت فأر : 17!
فقال الاستاذ : شد واركب !
جمال كان فنانا في عمله لكنه مثله مثل الفنانين كان يعاني من الملل ولا يكاد يبدأ عملا حتي يمله ويتركه وكانت النتيجة انه لم يكمل اية بيت بدأ بناءه، كان يبدأ العمل في وجود صاحب البيت الذي يكون عادة شخصا مغتربا حضر لقضاء اجازته، يبدأ العمل نشيطا مع عماله ، يكون هناك سجائر ومسجل جديد يصدح بجانبه اثناء العمل وهو يعشق الغناء لدرجة الجنون، وتكون هناك ذبائح واكل جيد، فيمضي العمل علي ما يرام، ثم تبدأ ميزانية المغترب في التراجع، فيستبدل البنسون الفاخر بجوال صغير من القمشة وبدلا من الذبائح تعود القراصة 6 بوصة لتتصدر المائدة، ويستبدل المسجل الذي استهلك كل حجارة البطارية الموجودة في دكان التعاون، يستبدله بطنبور قديم ويستخدم اذان مستمعيه لتجربة الحانه القديمة من ايام الشيطنة كما يسمي ايام شبابه، ويستبدل عرقي الامسيات بالشاي باللبن مشيرا الي الاول باعتباره : هو اصلا حرام ! عندها يطفش جمال الي الابد !
ذات مرة جاء الي البيت لعمل بعض الاصلاحات ، كانت الوالدة وشقيقنا الاكبر قد سافرا الي الحج ولاجل استقبالهما تعين اجراء بعض الاصلاحات ولان اخي الاكبر كان يعرف نظام جمال فقد اوصانا قبل السفر ان نوفر له اساسيات الونسة ان رغبنا ان يكمل الشغل وشدد علي الا يتوقف جهاز التسجيل مطلقا، وجدنا بطارية سيارة قديمة، شحدنا صديقنا علي الذي يعمل سائقا لاحد الجرارات الزراعية ليشحن لنا البطارية واوصلنا المسجل وجهزنا كومة من الشرائط، جاء جمال وبقي معنا لمدة عام بعد ان اكمل العمل ! وكان الناس يسألوننا مستغربين الزول دة مسكتوا كيف ؟ وقال لي احد الجيران : الظاهر فقيركم قوي !
كان لديه هواية غريبة، يعشق استبدال الاشياء، يعرف احيانا انه سيكون خاسرا من الاستبدال رغم ذلك لا يستطيع مقاومة الاغراء، ذات مرة جاء الينا يحمل جهاز مسجل جديد، استبدله مع خالد اخي بجهاز راديو، ثم قايض جهاز الراديو بساعة سيكو مع احد جيراننا وفي نهاية اليوم كان المسجل الجديد قد انتهي به الامر الي ماعز جاء يسحبها من اذنيها وهي تزعق بصوت هستيري، ربطها في مدخل المزرعة وغادر علي ان يعود في اليوم التالي ليأخذها .
في اليوم التالي جاء ليقوم بحش بعض الحشائش ويطعمها ثم سقاها بعض الماء بجردل وتركها مغادرا ليتكرر في الايام التالية نفس برنامجه، حين عرف الناس بذلك البرنامج اصبح بعض من يريدون منه اكمال عمل بدأه لهم وزاغ يلبدون له جوار الماعز! ذات يوم تجمهر بعض من يريدونه وكنت انا ايضا اريده لاجراء بعض الاصلاحات، في الموعد المحدد وبدلا من حضوره حضر اعرابي متعجل نزل وسط دهشة الحضور ليفك الماعز ويرفعه علي حماره، واعلن وهو يغادر : جمال باعو لي !